فهرس الكتاب
فِي كتبهم. وذكر أبو أحمد العسكريّ ما يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان، وكأنَّه أشار إلى ما أخرج البغويّ من طريق فروة بن مجاهد، عن سَهْلِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ:"غزوت مع أبي الصائفة في زمن عبد الملك، وعلينا عبد اللَّه بن عبد الملك، فقام أبي في الناس ... فذكر قصة فيها أنَّه غزا مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ"وهو من يُكْثِرُ صَرْعَ المُنَافِسِينَ ويَتَمَكَّنُ من إسْقَاطِهِم، والمعنى: لا تَظُنُّوا أَنَّ الرَّجُلَ القَوِيَّ هو ذلك الرَّجُلُ الذي يَتَمَتَّعُ بِقُوَّةٍ بَدَنِيَّةٍ يَسْتَطِيعُ بِها أَنْ يَصْرَعَ الفِرْسَان فِي سَاحَاتِ المُنَازَلَةِ أو مَيَادِينِ القِتَالِ، نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ ذلك الرَّجُل رَجُلٌ قَوِيٌّ، ولكن هناك من هو أَعْظَمَ مِنْهُ قَوَّةً وبِأْسًَا، وأجْدَرَ مِنْهُ بِهَذَا اللَّقَبِ، وهو"الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"أيْ إِنَّمَا الرَّجُلُ القَوِيُّ الكَامِلُ فِي قُوَّتِهِ هو الرَّجُلُ القَوِيُّ فِي إِرَادَتِهِ؛ الذي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي نَفْسِهِ عند الغَضَبِ، ويَمْنَعُها عن تَنْفِيذِ مَا تَدْعُوهُ إليه من إيْذَاءِ النَّاسِ بِالشَّتْمِ والضَّرْبِ والعُدْوَانِ أو الإِسَاءَةِ إلَيْهِم بِالقَطِيعَةِ. قَالَ الْعَرْجِيُّ:
وَإِذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقُورًا كَاظِمًا ... لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ مَا تَقُولُ وَتَسْمَعُ
فَكَفَى بِهِ شَرَفًا تَبَصُّرُ سَاعَةٍ ... يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الْإِلَهُ وَتُرْفَعُ
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْعَفْوِ:
لَنْ يَبْلُغَ الْمَجْدَ أَقْوَامٌ وَإِنْ شَرُفُوا ... حَتَّى يُذَلُّوا وَإِنْ عَزُّوا لِأَقْوَامِ
وَيُشْتَمُوا فَتَرَى الْأَلْوَانَ مُشْرِقَةً ... لَا عَفْوَ ذُلٍّ وَلَكِنْ عَفْوَ إِكْرَامِ
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ من أعْظَمِ الأَدِلَّةِ على قُوَّةِ الشَّخْصِيَةِ الحِلْمُ (1) ، وضَبْطُ النَّفْسِ عند الغَضَبِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"لأَنَّ الغَضَبَ ثَوْرَةٌ نَفْسِيَّةٌ عَارِمَةٌ، فَالتَّصَدِّي لِمُقَاوَمَتِها فِي عُنْفُوانِهَا لَيْسَ بِالأَمْرِ السَّهْلِ، ولا يَسْتَطِيعُ ذلك إلَّا من قَوِيَتْ إِرَادَتُهُ، وكَمُلَ إيِمَانُهُ ودِينُهُ، وأصْبَحَ له السُّلْطَانَ القَاهِرَ على جَمِيعِ انْفِعَالاتِهِ النَّفْسِيَّةِ.
ثانِيًَا: دَلَّ الحديث على أَنَّ الغَضَبَ وإِنْ كان غَرْيزَةً نَفْسِيَّةً جَبَّارَةً، إلَّا أنَّهُ يُمْكِنُ مُقَاوَمَتُهُ بعد وُقُوعِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"وَيُمْكِنُ مُقَاوَمَةَ الغَضَبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَوِقَايَةَ النَّفْسِ منه باجْتِنَابِ الأسْبَابِ المُثِيرَةِ للغَضَبِ، كَالخِصَامِ والجِدَالِ، والمِزَاحِ الزَّائِدِ عَنِ الحَدِّ، والسُّخْرِيَةِ، والاسْتِهْزَاءِ، إلى غير ذلك. والدَّلِيلُ على ذلك قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي رَوَاهُ البُخَارِيّ: «لاَ تَغْضَبْ»