مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى"أي وأصاب ذلك الغيث نوعًا آخر من الأرض"إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ"أي أرْضٌ مُجْدِبَةٌ مُسْتَوِيَةٌ لا غدران فيها"لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً"أي فهي لا تحفظ الماء لاسْتِوَاءِ سَطْحِهَا، ولا تُنْبِتُ العُشْبَ لِجَدْبِهَا وصَلابَتِهَا فَلَمْ تنتفع بذلك الغيث فِي نفسها، ولَمْ تنفع غيرها فهي شَرُّ أقْسَامِ الأرْضِ وأخْبَثِهَا."
ثُمَّ بَيّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنا فِي بَقِيَّةِ الحديث هذه الأمثلة ووضّحها لنا بقوله:"فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ"أيْ فتلك (1) الأرضِ الخصبةِ النَّقِيَّةِ هِيَ مَثَلُ العَالِمِ المتفقه فِي دِينِ اللَّهِ العامل بعلمه؛ المعلم لغيره. وتلك الأجَادِبُ التي تحفظ الماء لغيرها هِيَ مَثَلُ العَالِمِ الذي يعلِّم غيره، ولا يعمل بعلمه، فهو كالشَّمْعَةِ تُضِيءُ لغيرها وتَحْرِقُ نفسها."وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ"أي وأمّا القيعان التي لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كلأ، فإنَّها مثل لصِنْفَيْنِ من النَّاسِ:
أوَّلُهما: المسلمُ الجاهلُ، أو المسلم العَالِم الذي لم يعمل بعلمه، ولم يُعَلِّمه غيره، وهو المَقْصُودُ بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا".
وثانيهما: الكافر الذي لَمْ يدخل فِي الدِّينِ أصْلًا؛ وهو المَعْنِيُّ بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ النَّاسَ إزاء هذا العلم الشَّرْعِيّ والاستفادة منه على أرْبَعَةِ أقْسَامٍ: عَالِمٌ عَامِلٌ مُعَلِّمٌ لغيره، وهو أشْرَفُ الأقْسَامِ، ومن ورثة الأَنْبِيَاءِ. وَعَالِمٌ يُعَلِّم غيره ولا يعمل بعلمه، فهذا ينفع النَّاس ولا ينفع نفسه، ويكون علمه حُجَّة عليه. ومسلم جاهل أو عالم لا يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، هذا شرٌ مِمَّنْ سَبَقَ، وكافرٌ لَمْ يدخل فِي هذا الدِّينِ أَصْلًا فهذا هو أخبثُ الأقْسَامِ وشَرِّهَا وأشْقَاهَا.
ثانيًا: فَضْلُ من عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِخَيْرِ أَجْزَاءِ الأرض وأشْرَفِهَا وأزْكَاهَا وهي"الأرضُ النَّقِيِّةُ".
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ".
(1) وذلك لأنَّ اسم الإشارة يعود إِلى صنفين من الأرض هما: النقية، والأجادب.