فهرس الكتاب

الصفحة 2605 من 2668

وَلَا عِتْقًا، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، إلَّا فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ، كَذَلِكَ قَالَ: إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ"اهـ (7) ."

خامسًا: فِي الحديث تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ على الحِنْثِ حيث قال:"فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، إلاّ أنَّهُ انْعَقَدَ الإجْمَاعُ على مَشْرُوعِيَّةِ تَقْدِيمِ الحِنْثِ على الكَفَّارَةِ، قال فِي"سبل السلام": (الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ تَرْكُهُ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِينِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ وَإِتْيَانُ مَا هُوَ خَيْرٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْأَمْرُ وَلَكِنَّهُ صَرَّحَ الْجَمَاهِيرُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ وَلَكِنَّهُ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ تَقْدِيمِهَا وَعَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا إلَى مَا بَعْدَ الْحِنْثِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْيَمِينِ.

وَدَلَّتْ رِوَايَةُ (ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ لِاقْتِضَاءِ (ثُمَّ) التَّرْتِيبَ وَرِوَايَةُ الْوَاوِ تُحْمَلُ عَلَى رِوَايَةِ (ثُمَّ) حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنْ تَمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِهَا وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى الْحِنْثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ) اهـ (8) . وَذَهَبَتْ الحنفيةُ إلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الحِنْثِ، وذَهَبَ جَمَاهِيرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أَنَّ تَقْدِيمَ الحِنْثِ مُسْتَحَبٌّ لا وَاجِبٌ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ، إلاّ فِي كَفَّارَةِ الصِّيامِ عند الشَّافِعِيّ:"فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا، لأنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عن وَقْتِهَا، وَوَقْتُهَا بعد الحِنْثِ". قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي"الأم":"فَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ، فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَحْنَثَ! وَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ بِإِطْعَامٍ رَجَوْت أَنْ يَجْزِيَ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَفَّرَ بِصَوْمٍ قَبْلَ الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ. وَذَلِكَ أَنَّا نَزْعُمُ أَنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقًّا عَلَى الْعِبَادِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَالْحَقُّ الَّذِي فِي أَمْوَالِهِمْ إذَا قَدَّمُوهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ أَجْزَأَهُمْ وَأَصْلُ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَلَّفَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ» (9) ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ قَدَّمُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْفِطْرُ؛ فَجَعَلْنَا الْحُقُوقَ الَّتِي فِي الْأَمْوَالِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا. فَأَمَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي عَلَى الْأَبْدَانِ فَلَا تَجْزِي إلَّا بَعْدَ مَوَاقِيتِهَا، كَالصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَجْزِي إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَالصَّوْمُ لَا يَجْزِي إلَّا فِي الْوَقْتِ أَوْ قَضَاءً بَعْدَ الْوَقْتِ"اهـ (10) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت