الصَّحَابَة وراءهم ليمسكوا بهم ويلقوا القبض عليهم"فَأُتِيَ بِهِمْ"أي فجيء بهم إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَقَطَعَ أْيدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ"من خلاف؛ كما في رواية التِّرْمِذِيّ"وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ"بفتح السين والميم، أي فقأ أعينهم وأذهب ما فيها."ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ" (3) "حَتَّى مَاتُوا"بل تركهم حتى ماتوا؛ أي تركهم ينزفون حتى الموت ولم يكوهم لينقطع الدَّم.
قال ابن الملك:"إِنَّمَا فعل بهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا مع نهيه عن المثلة، إمَّا لأنَّهم فعلوا ذلك بالرُّعَاةِ، (قيل: إنَّه عندما قَاتَلَهم يَسَارٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَطَعُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ) ؛ وإمَّا لعِظَمِ جريمتهم"والله أعلم.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ المُحَارِبَ وقاطعَ الطَّريقِ إذا قَتَلَ لا بد من قَتْلِهِ لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل هؤلاء العُرَنِيِّينَ المذكورين في الحديث. أمَّا إذا أخاف السَّبيل، أو سرق المال، ولم يقتل فإنَّ الحديث لَمْ يتعرض لهذا (4) ، واختلف الفُقَهَاء فِي حكمه: هل يَجُوزُ للإِمَامِ قتله إذا رأى المصلحة فِي ذلك؟ أم لا يَجُوزُ قتل المحارب إلا إذا قَتَلَ؟ وسبب هذا الخلاف اختلافهم فِي الأحكام الواردة فِي الآية الكريمة من القَتْل، والصَّلْب، والقَطْع، والنَّفْيِّ؛ هل هي على التَّرْتِيبِ أو التَّخْيِيرِ. فقال بعض الفُقَهَاء: (أو) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) للتَّرْتِيبِ والتَّنْوِيعِ وتَدُلُّ على توزيع الأحكام على حَسَبِ الجِنَايَاتِ، قال فِي"الموسوعة الفقهية الكويتية":"فَمَنْ قَتَل وَأَخَذَ الْمَال، قُتِل وَصُلِبَ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْمَال قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى. وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْتُل، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ"اهـ (5) . وهذا هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ والصَّاحِبَيْنِ، قال فِي"الموسوعة الفقهية": (وَقَالُوا: بِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الآْيَةَ فَقَال:"الْمَعْنَى: أَنْ يُقَتَّلُوا إِنْ قَتَلُوا. أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ الْقَتْل إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال. أَوْ تُقَطَّعُ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، إِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَال، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأْرْضِ، إِنْ أَرْعَبُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا وَلَمْ يَقْتُلُوا، وَحَمَلُوا كَلِمَةَ"أَوْ"عَلَى التَّنْوِيعِ لاَ التَّخْيِيرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} أَيْ قَالَتْ الْيَهُودُ: كُونُوا هُودًا وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى وَلَمْ يَقَعْ تَخْيِيرُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة) اهـ (6) ."
وقال فِي"بدائع الصنائع":"قَطْعُ الطَّرِيقِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَخْذِ الْمَالَ لَا غَيْرُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَتْلِ لَا غَيْرُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمَا جَمِيعًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالتَّخْوِيفِ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ، وَلَا قَتْلٍ، فَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وَمَنْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ، وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَقَتَلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ،"