وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ وأصحابه إلى أنَّه يُجْلَد ولا يُنْفَى، قال فِي"تبيين الحقائق":"عَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ فِي الْبِكْرِ فَمَذْهَبُنَا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} جَعَلَ الْجَلْدَ كُلَّ الْمُوجِبِ نَظَرًا إلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ مَا يَكُونُ كِفَايَةً لِأَنَّهُ مِنْ جَزَأَ بِالْهَمْزِ أَيْ كَفَى وَإِلَى كَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ كُلَّ الْمُوجِبِ إذْ الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ فَلَوْ وَجَبَ التَّغْرِيبُ لَكَانَ الْجَلْدُ بَعْضَ الْمُوجِبِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّ فِي التَّغْرِيبِ تَعْرِيضًا لَهَا عَلَى الزِّنَا لِأَنَّهَا إذَا تَبَاعَدَتْ عَنْ الْعَشَائِرِ وَالْأَقَارِبِ ارْتَفَعَ الْحَيَاءُ وَإِذَا نَزَلَتْ فِي الرِّبَاطَاتِ أَوْ الْخَانَاتِ أَحْوَجَهَا انْقِطَاعُ مَوَادِّ الْمَعَاشِ إلَى اتِّخَاذِ الزِّنَا مَكْسَبَهُ لِارْتِفَاعِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَهُوَ أَقْبَحُ وُجُوهِ الزِّنَا لِأَنَّهُ يَقَعُ جَهْرًا لِكَوْنِهِ نَاشِئًا عَنْ وَقَاحَةٍ؛ وَمَعَ الْعَشَائِرِ إنْ وَقَعَ يَقَعُ خُفْيَةً وَمَكْتُومًا لِكَوْنِهِ نَاشِئًا عَنْ اسْتِحْيَاءٍ"اهـ (3) . وقال فِي"نصب الراية": (وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ:"كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً"(4) ، قُلْت: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي"مُصَنَّفِهِ"، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي"كِتَابِ الْآثَارِ"، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ، قَالَ: يُجْلَدَانِ مِائَةً، وَيُنْفَيَانِ سَنَةً، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ:"حَسْبُهُمَا مِنْ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا". وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قَالَ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً، انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: غَرَّبَ عُمَرُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الشَّرَابِ إلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا (5) ") اهـ (6) . وأمَّا الأحَادِيثُ التي وَرَدَ فِيهَا النَّفْيُ فَقَدْ حَمَلُوا النَّفْيَ فيها على التَّعْزِيرِ، وهو مَتْرُوكٌ إلى رَأي الإِمَامِ."
قال الحافظ فِي"الفتح":"وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْرِيبِ فَقَالَ: الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ بِالتَّعْمِيمِ. وَفِي قَوْلٍ للشَّافِعِيِّ: لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ، وَخَصَّ الْأَوْزَاعِيّ النَّفْيَ بِالذُّكُورِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُنْفَى إِلَيْهَا فَقِيلَ: هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ إِلَى يَوْمَيْنِ وَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقِيلَ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، وَقِيلَ إِلَى مِيلٍ، وَقِيلَ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ نَفْيٍ. وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَبْسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ"اهـ (7) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ: جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ".
(1) بضم الياء وفتح الصاد على البناء للمجهول.
(2) "سنن التِّرْمِذِيّ ت شاكر":"بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّفْيِ"ج 4 ص 44.