عاد البُخَارِيّ أخيرًا إلى مسقط رأسه (بخارى) وتلقَّاه أهلها بالحفاوة والتقدير. قَالَ غُنْجَارٌ فِي"تَارِيْخِهِ": سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ المُقْرِئَ، سَمِعْتُ بَكْرَ بنَ مُنِيْرِ بنِ خُليدِ بنِ عَسْكَرٍ يَقُوْلُ: بعثَ الأَمِيْرُ خَالِدُ بنُ أَحْمَدَ الذُّهْلِيُّ، وَالِي بُخَارَى إِلَى مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ أَنِ احملْ إِلَيَّ كِتَابَ"الجَامِعِ"وَ"التَّارِيْخِ"وَغَيْرِهِمَا لأَسْمَعَ مِنْكَ فَقَالَ لِرَسُوْلِهِ: أَنَا لاَ أُذِلُّ العِلْمَ وَلاَ أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ النَّاسِ فَإِنْ كَانَتْ لَكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ حَاجَةٌ فَاحضُرْ فِي مَسْجِدِي أَوْ فِي دَارِي وَإِنْ لَمْ يُعجبْكَ هَذَا فَإِنَّكَ سُلْطَانٌ فَامنعنِي مِنَ المَجْلِسِ ليَكُوْنَ لِي عذرٌ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَنِّي لاَ أَكتُمُ العِلْمَ لقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ"فَكَانَ سَبَبُ الوحشَةِ بَيْنَهُمَا هَذَا.
وَقَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ العَبَّاسِ الضَّبِّيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ بنَ أَبِي عَمْرٍو الحَافِظَ البُخَارِيَّ يَقُوْلُ: كَانَ سَبَبُ مُنَافرَةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَنَّ خَالِدَ بنَ أَحْمَدَ الذُّهْلِيَّ الأَمِيْرَ خَلِيْفَةَ الطَّاهريَّةِ بِبُخَارَى سَأَلَ أَنْ يَحْضُرَ مَنْزِلَهُ فيقرأَ"الجَامِعَ"وَ"التَّارِيْخَ"عَلَى أَوْلاَدِهِ فَامْتَنَعَ عَنِ الحُضُوْرِ عِنْدَهُ فرَاسلَهُ بِأَنْ يعقِدَ مَجْلِسًا لأَوْلاَدِهِ لاَ يَحْضُرُهُ غَيْرهُم فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: لاَ أَخُصُّ أَحَدًا فَاسْتعَانَ الأَمِيْرُ بحريثِ بنِ أَبِي الوَرْقَاءِ، وَغَيْرِهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ، وَنَفَاهُ عَنِ البلدِ فَدَعَا عَلَيْهِم فَلَمْ يَأْتِ إلَّا شَهْرٌ حَتَّى، وَرَدَ أَمْرُ الطَّاهريَّةِ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى خَالِدٍ فِي البلدِ فَنُوْدِيَ عَلَيْهِ عَلَى أَتَانٍ، وَأَمَّا حُريثٌ فَإِنَّهُ ابْتُلِيَ بِأَهْلِهِ فَرَأَى فِيْهَا مَا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، وَأَمَّا فُلاَن فَابْتُلِيَ بِأَوْلاَدِهِ، وَأَرَاهُ اللهُ فِيْهِمُ البلاَيَا.
أما البُخَارِيّ فإنَّه سَارَ إلى سَمَرْقَنْد بِدَعْوَةٍ من أهلها، فوقعت بسببه فِتْنَةٌ، فتوقف بقرية خَرْتَنْك -قَرْيَةٌ عَلَى فَرْسَخيْنِ مِنْ سَمَرْقَنْد -، ومرض هناك ووافاه أَجَلُهُ المَحْتُوم.
ذِكْرُ وَفَاتِهِ:
قال فِي"سير أعلام النبلاء": (قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: سَمِعْتُ عَبْدَ القدُّوسِ بن عبد الجبار السمرقندي يقول: جاء مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ إِلَى خَرْتَنْك وَكَانَ لَهُ بِهَا أَقربَاء فَنَزَلَ عِنْدَهُم فسَمِعْتُهُ لَيْلَةً يَدْعُو، وَقَدْ فرغَ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ:"اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عليَّ الأرض بِما رَحُبَتْ فاقْبِضْنِي إليكَ"؛ فمَا تَمَّ الشَّهْرُ حَتَّى مَاتَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا مَنْصُوْرٍ غَالِبَ بنَ جِبْرِيْلَ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: إِنَّهُ أَقَامَ عِنْدنَا أَيَّامًا فمَرِضَ، وَاشتدَّ بِهِ المَرَضُ حَتَّى، وَجَّهَ رَسُوْلًا إِلَى مَدِيْنَةِ سَمَرْقَنْدَ فِي إِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا وافى تَهَيَّأَ للرُّكُوبِ فلبسَ خُفَّيْهِ، وَتعمَّمَ فَلَمَّا مَشَى قدرَ عِشْرِيْنَ خطوَةً أَوْ نحوَهَا، وَأَنَا آخِذٌ بَعْضُدِهِ، وَرَجُلٌ أَخذَ مَعِي يقودُهُ إِلَى الدَّابَّةِ ليركبَهَا فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: أَرسلونِي فَقَدْ ضَعُفْتُ فَدَعَا بدعَوَاتٍ ثُمَّ اضطجعَ فَقَضَى رَحِمَهُ اللهُ. فسَالَ مِنْهُ العرَقُ شَيْءٌ لاَ يُوْصَفُ فَمَا سَكَنَ مِنْهُ العرَقُ إِلَى أَنْ أَدرجنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، وَكَانَ فِيْمَا قَالَ لَنَا وَأَوْصَى إِلَيْنَا: أَنْ كَفِّنُونِي فِي ثَلاَثَةِ أَثوَابٍ