معنى الحديث: يَقُولُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً (1) "صيغة مبالغة، أَيْ كثير المَذْي وذلك بِسَبَبِ صِحَّتِهِ وقُوَّةِ جِسْمِهِ. وجاء فِي رواية أخرى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْأَلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي، فَقَالَ: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوء"أخرجه النَّسَائِيّ. وفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عن عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ"أخرجه ابن حبان. و (مَذَّاءٌ) كَثِيرُ المَذْي؛ وهو مَاءٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ غَالِبًا عند ثوران الشَّهْوَةِ وعند مُلاعَبَةِ النِّسَاءِ والتَّقْبِيلِ."فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يعني أنْ يَسْأله عن حُكْمِ المَذْي (2) ، وماذا يَجِبُ فيه، لأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَحْيَا أنْ يسأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا السُّؤال، وابْنَتُهُ تَحْتهُ؛"فَسَأَلَهُ المِقْدَادُ"نيابةً عن عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"فَقَالَ: فِيهِ الوُضُوءُ"أيْ يَجِبُ فيه الوُضُوء بعد غَسْلِ الفَرْجِ أوَّلًا لإِزَالِةِ أثره، لأنَّهُ نَجِسٌ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّ المَذْيَ يُوجِبُ الوُضُوءَ مع غَسْل الذَّكَرِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ حيث قالوا يَجِبُ منه الوُضُوءُ مُطْلَقًَا. قال النووي:"وَأَمَّا حُكْمُ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ يُوْجِبُ الْوُضُوءَ لِهَذَا الْحَدِيثِ" (2) ؛ وقال مالك:"لا يَجب مِنْه الوُضُوءُ إلَّا إذا كان عن مُلاعَبَةٍ".
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ الإِنَابَةِ فِي السُّؤالِ والاسْتِفْتَاءِ إذا اسْتَحْيَا من مُبَاشَرَةِ ذلك بِنَفْسِهِ؛ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ. وكذلك إذا كان عُذْرٌ آخر يَمْنَعُه من السُّؤالِ، فإنَّهُ يُقَاسُ ذلك على الحَيَاءِ.
مطابقته للترجمة: فِي كَوْنِ عَلِيٍّ أنَابَ المِقْدَادَ عنه فِي السُّؤَالِ عن المَذْي لَمَّا اسْتَحْيَا أَنْ يسأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ.
(1) قال النووي:"فِي الْمَذْيِ لُغَاتٌ: مَذْيٌ بفتح الميم واسكان الذال؛ ومَذِيٌّ بكسر الذال وتشديد الياء. ومَذِيٌ بكسر الذَّال وتَخْفِيفِ الياء. فالأُوْلَيَان مَشْهُورَتَانِ أَوْلاهُمَا أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا. وَالثَّالِثَةُ حَكَاهَا أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ عن بن الأعرابِي. ويقال: مذي وأمذي ومذِّي الثَّالِثَّة بالتَّشْدِيدِ. والمذي ماء أبيض دقيق لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ شَهْوَةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُورٌ؛ وَرُبَّمَا لَا يُحَسُّ بِخُرُوجِهِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهُوَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ.
(2) "شرح النووي على مسلم": (باب المذي) ج 3 ص 213.