فِي كِتَابِهِ، وتأوَّلَهُ على اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ، وأحسبه تَوَهَّم أنَّهُ أُرِيدَ به المَحْلَبُ الذي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الأَيْدِي.
وليس هذا من الطِّيبِ فِي شَيْءٍ، وإنَّمَا هو على مَا فَسَرْتُهُ لك، ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
صَاحِ هَلْ رَأَيْتَ أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا بَقِيَ مِنْ حِلابَ"اهـ (2) ."
"فَأَخَذَ بِكَفِّهِ"أَيْ المَاءَ"فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ"أيْ فَبَدَأ بِغَسْلِ الجَانِبِ الأَيْمَنِ من الرَّأْسِ،"ثُمَّ الأَيْسَرِ"أي ثُمَّ الجَانِبِ الأَيْسَرِ مِنْهُ،"فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ". قَالَ العَيْنِيُّ:"وَمَعْنَى: قَالَ بِهِمَا: قَلَبَ بِكَفَّيْهِ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ" (3) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
اسْتِحْبَابُ الاسْتِعْدَادِ للغُسْلِ من الجَنَابَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ وإحْضَارِ مَا يَلْزَمُ له مِنْ إنَاءٍ ومَاءٍ، وأَنْ يبدأ بِالمَيَامِنِ قبل المَيَاسِرِ فِي الرَّأسِ وسَائِرِ الأَعْضَاءِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلاَبِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ".
(1) "شرح النووي على مسلم": (اغْتَسَلَ وَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً) ج 3 ص 233.
(2) "فيض الباري":"باب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلاَبِ أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ"ج 1 ص 455.
(3) قال فِي"عمدة القاري":"قَالَ فِي"النِّهَايَةِ": الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ فَتَقُولُ: قَالَ بِيَدِهِ: أَيْ أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ: أَيْ مَشَى، قَالَ الشَّاعِرُ:"وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً"أَيْ أَوْمَأَتْ. وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ: أَيْ قَلَبَ. وَقَالَ بِثَوْبِهِ: أَيْ رَفَعَهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ؛ والله أعلم"اهـ. (بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ ... ) ج 3 ص 205.