ـــــــــــــــــــــــــــــ
201 -الحديث: أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ.
معنى الحديث: يقول عُمَرُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَة" (1) أيْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعيني يُصَلِّي في بيت أمّ سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فقط؛ هو إزاره ورداؤه حال كونه مُلْتَحِفًا به ساترًا به جسمه"وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ"أيْ وَاضِعٌ طرف ثوبه الأَيْمَن على عاتقه الأَيْسَرِ، وطرفه الأَيْسَرُ على عاتقه الأَيْمَن.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ دون كراهة، وهو مذهب الجمهور، قَالَ العَيْنِيُّ:"ذهب طَاوس وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة وَعبد الله بن وهب من أَصْحَاب مَالك وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد مَكْرُوهَة إِذا كَانَ قَادِرًا على ثَوْبَيْنِ وَإِن لم يكن قَادِرًا إِلَّا على ثوب وَاحِد يكره أَيْضًا أَنْ يُصَلِّي بِهِ مُلْتَحِفًا مُشْتَمِلًا بِهِ بل السّنة أَنْ يَأْتَزِرَ بِهِ". واحتجوا بحديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ مَنْ يُزَّيَّنُ لَهُ"أخرجه الطَّبَرَانِيّ (2) .
ثانيًا:"أنَّه إذا صَلَّى في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فإنْ كان واسعًا اشتمل به، وإنْ كان ضيقًا اتَّزَرَ بِهِ وهو مذهب الجمهور؛ لما رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «إِذَا صَلَّيْتَ وَعَلَيْكَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» ، وَلَفَظُ مُسْلِمٍ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» ، فَتَحْصُلُ مِنْهُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْلُوَ الْعَاتِقُ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَدَبِ، وَأَنْسَبُ إِلَى الْحَيَاءِ مِنَ الرَّبِّ، وَأَكْمَلُ فِي أَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ الْمَطْلَبِ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْجُمْهُورُ: وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَلَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ سَاتِرٍ عَوْرَتَهُ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ وَبَعْضُ السَّلَفِ فَنَسَبُوا إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"مُشْتَمِلًا بِهِ"، لأنّ معنى مُشْتَمِلًا بِهِ، أي مُلْتَحِفًا بِهِ، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.
(1) قَالَ العَيْنِيُّ وقوله:"فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَة"إمَّا ظرفٌ لقوله: يصلي أو للاشتمال، أو لهما.
(2) قال في"مجمع الزوائد":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ". وقال في"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح":"وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ:"وَصَلَاةٌ بِعِمَامَةٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ عِمَامَةٍ"، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ:"صَلَاةٌ بِخَاتَمٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ بِغَيْرِ خَاتَمٍ"، مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ، وَكَذَا مَا أَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ"