ذَاكَ خَمْسٌ وثَلاثَونَ عَامًَا كما نَصَّ عليه ابن اسحاق"فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس عَمُّهُ:"خَوْفًَا عليه من الحجارة أنْ تؤذي مَنْكِبَيْهِ:"يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ"أي ليتك تَفُكَّ الإِزار من وَسْطِكَ، وتضعه على مَنْكِبَيْكَ وتعقد طرفيه على صدرك ملتحفًا به ليحول بين الحجارة وبين مَنْكِبَيْكَ."قَالَ: «فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ"أي فسقط الإِزار، وظهر شَيْءٌ من عورته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون قصد منه،"فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أَرِنِي إِزَارِي» فَشَدَّهُ عَلَيْهِ"رواه البُخَارِيّ؛"فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: وُجُوبُ سَتْرِ العَوْرَةِ، وتَحْرِيم التَّعَرِّي مُطْلَقًَا فِي الصَّلاةِ أو في غيرِ الصَّلاةِ، كما ترجم له البُخَارِيّ، قال في"الموسوعة الفقهية":"ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) إِلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ (2) وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ فَرْضٌ (3) فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ دُونَهُ، أَيْ عُرْيَانًا. وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ، فِي خَلْوَةٍ أَوْ بَيْنَ النَّاسِ، فِي ضَوْءٍ أَوْ فِي ظَلاَمٍ (4) ، وَهَذَا الشَّرْطُ لِمَنْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَوَاجِدًا لِلثِّيَابِ، فَلَوْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ قَادِرًا وَوَاجِدًا لِلسَّاتِرِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ. وَالدَّلِيل عَلَى اشْتِرَاطِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَعَدَمِ صِحَّةِ صَلاَةِ الْعُرْيَانِ قَوْله تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ} ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ فِي الصَّلاةِ (5) "اهـ (6) .
ثانيًا: عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القبائح قبل البَعْثَةِ وبعدها، وأنَّهُ كان مَحْمِيًَّا عن مساوئ الجاهلية قَبْلَ النُّبُّوَةِ.
والمطابقة: في قوله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا".
(1) أيْ حتى يكون حائلًا بين جسمك وبين الحجارة.
(2) "فتح الباري"لابن حجر: 1/ 466، و"فتح القدير"لابن الهمام مع الهِداية 1/ 260، 273، وابن عابدين 1/ 380، و"شرح الزَّرقاني": 1/ 173، 179، و"مغني المحتاج": 1/ 184، 185، و"كشاف القناع": 1/ 263، 264.
(3) "مراقي الفلاح": ص 114.
(4) نفس المراجع.
(5) "مغني المحتاج": 1/ 184.
(6) "الموسوعة الفقهية الكويتية":"الصَّلاَةُ عُرْيَانًا"ج 30 ص 69.