وقَالَ فِي"الثِّقَاتِ"للعِجْلِيِّ:"حجازيٌّ تابعيٌّ ثِقةٌ"وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي"الثِّقَاتِ". تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وابن ماجه.
معني الحديث: أَنَّ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ"أي كان يتحرى الصلاة عِنْدَ هذه الأُسْطُوَانَةِ متجهًا إليها في صلاته، وكانت هذه الأُسْطُوَانَةِ عند المكان الذي كان يوضع فيه المُصْحَفُ الشَّرِيفُ، حيث كان للمُصْحَفِ على عهد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صندوق خاص هناك."فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ! قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا"أيْ يَتَقَصَّدُ الصَّلاةِ عند هذه الأسطوانة ويواظب عليها. قال الحافظ في"الفتح": (قَوْلُهُ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ مَوْضِعٌ خَاصٌّ بِهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ:"يُصَلِّي وَرَاءَ الصُّنْدُوقِ"؛ وَكَأَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ صُنْدُوقٌ يُوضَعُ فِيهِ. وَالْأُسْطُوَانَةُ الْمَذْكُورَةُ حَقَّقَ لَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَأَنَّهَا تُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ:"وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لَوْ عَرَفَهَا النَّاسُ لاضْطَرَبُوا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ؛ وَإِنَّهَا أَسَرَّتْهَا إِلَى بن الزُّبَيْرِ فَكَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا(2) ") اهـ. وروى ابن النجار عن ابن الزبير بن حبيب:"أَنَّها الأُسْطُوَانَةُ التي بعد أُسْطُوَانَةِ"التَّوْبَة"إلى الرَّوْضَة، وهي الثَّالِثَة من المِنْبَرِ ومن القَبْرِ، وسُمِّيَتْ أُسْطُوَانَةُ عَائِشَةَ (3) ، ويقال:"الدُّعَاءُ عِنْدَهَا مُسْتَجَابٌ"اهـ (4) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
اسْتِحْبَابُ الصَّلاَةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ، واتِّخَاذِهَا سُتْرَةً إذا كانت هناك سَوَارِيُّ، قال ابن بطال:"وفيه: أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُوْنَ الأُسْطُوَانَةُ أَمَامَهُ، ولا تَكُونُ إلى جَنْبِهِ، لئلا يتخلل الصُّفُوفُ شَيْءٌ فلا تكون له سُتْرَةً"اهـ (5) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا".
(1) قال الحافظ فِي"الفتح":"اُسْطُوَانَةٌ: أَيِ السَّارِيَةِ وَهِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الطَّاءِ بِوَزْنِ أُفْعُوَانَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِوَزْنِ فُعْلُوَانَةَ وَالْغَالِبِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ بِنَاءٍ بِخِلَافِ العمود فَإِنَّهُ من حجر وَاحِد. قَالَ ابن بَطَّالٍ: لَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْحَرْبَةِ كَانَتِ الصَّلَاةُ إِلَى الْأُسْطُوَانَةِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَشَدُّ سُتْرَةً. قُلْتُ: لَكِنْ أَفَادَ ذِكْرُ ذَلِكَ التَّنْصِيصِ عَلَى وُقُوعِهِ وَالنَّصُّ أَعْلَى مِنَ الْفَحْوَى".
(2) أخرجه الطَّبَرَانِيّ في الأوسط. قال الشيخ الأَلْبَانِيّ في"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة":"منكر رواه الطَّبَرَانِيّ في"الأوسط" (866) : حدثنا أحمد - يعني ابن يحيى الحلواني-: حدثنا عتيق بن يعقوب: حدثنا عبد الله ومحمد ابنا المنذر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (فذكرته) ؛ وقال:"لم يروه عن هشام إلا ابنا المنذر، تفرد به عتيق". قلت: وهو ثقة، وثقه الدَّارَقُطنِيّ وابن حبان، لكن محمد بن المنذر ضعيف جدًا. قال ابن حبان (2/ 259) :"كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار". وقال الحاكم:"يروي عن هشام أحاديث موضوعة". وأمَّا أخوه عبد الله، فلم أجد له ترجمة"اهـ.