بَيْنَ يَدَيْهِ"أيْ فحاول هذا الشَابُّ أَنْ يَمُرَ أمَامَهُ بينه وبين سترته فِي الصَّلاةِ، وهذا الشَّابُّ هو داود بن مروان بن الحكم أمير المدينة في ذلك الوقت - هكذا قالوا - واسْتُشْكِلَ بأنَّ داود ليس من بني أبي مُعَيْطٍ، وإِنَّمَا هُمْ أبناء عَمِّهِ. قال الحافظ: ويحتمل أنه نسب إليهم من جهة الرضاعة، أو أنه نسب إلى أقربائه وأبناء عمومته من باب التوسع في الكلام وقد جرت عادة العرب على نسبة المرء إلى أقاربه أو أصحابه توسعًا، ومنه قول ضمام ابن ثعلبة لرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر"أي صاحبهم."
"فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ"أي فدفعه أَبُو سَعِيدٍ، بيده في صدره ليرده، عن المرور بين يديه."فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ"أي فلم يجد له طريقًا آخر يمر منه"فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ"أيْ فغضب ذلك الشَّاب مِنْ أَبِي سَعِيدٍ وسبه وشتمه انتقامًا منه،"ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ"أي فشكا داود إلى مروان ما فعله معه أبو سعيد، وكيف أنَّه دَفَعَهُ فِي صَدْرِهِ، وأَوْجَعَهُ بتلك الدَّفعة الأليمة؛"وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟"أي ما الذي جرى بينك وبين ابن أخيك مروان، ولماذا عاملته بهذه المعاملة الشديدة القاسية فوكزته في صدره، واستعمال الأخ هنا من باب المجاز، والعرب تَتَوَسَّعُ أحيانًا في هذه الكلمة، فيطلقون الأخ على مجرد القريب أو الصاحب والصديق لِإثارة عاطفة الحب في نفس المخاطب. ألا ترى إلى قول خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لورقة بن نوفل:"اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ"مع أنه ليس بعمِّه، وإِنَّمَا نسبته إليه إمّا لإثارة العطف والحب عليه في نفس ورقة، أو لتوقير ورقة واحترامه لكبر سنه. وما كان من ورقة إلاّ أنْ قال للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا ابْنَ أَخِي: مَاذَا تَرَى؟".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:"سَمِعْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ"من جدار أو أسطوانة أو نحوها"فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ"أيْ فإنَّه مأمورٌ شَرْعًا بدفعه ومنعه؛"فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ"أي أنه يمنعه أولًا بالإشارة، ثم يرده ردًا لطيفًا فإنْ لم يمتنع فإنه يدفعه دفعًا شديدًا. إذ ليس معناه المقاتلة الحقيقية"فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ"قال الحافظ في"الفتح":"قَوْلُهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ: أَيْ فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ أَبَى إِلَّا التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي. وَإِطْلَاقُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَارِدِ مِنَ الْإِنْسِ سَائِغٌ شَائِعٌ؛ وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى:"شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ"؛ وَقَالَ بن بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّيْطَانِ عَلَى مَنْ يَفْتِنُ فِي الدِّينِ وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَسْمَاءِ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَارُّ شَيْطَانًا بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ"انْتَهَى" (1) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ أَنْ يَرُدَّ المُصَلِّي من يمر بين يديه وأنَّهُ مَأمُورٌ بذلك بِمُقْتَضَى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَلْيَدْفَعْهُ"حيث أمره النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدفعه، والأَمْرُ هنا للنَّدْبِ عند الجمهور، حيث قالوا:"يُسْتَحَبُّ لَهُ دَفْعُهُ"، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:"أَيْ بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ وَقَوْلُهُ:"فَلْيُقَاتِلْهُ"أَيْ يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ"؛ قال في