عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ"أي فرد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه السَّلام"وَقَالَ:"ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!"أي فأمره النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعادة تلك الصَّلاة، لأنّها بطلت بسبب تَرْكِ الطُمَأْنِينَةِ فيها."فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى"أي فعاد فَصَلَّى من دُونِ طُمَأْنِينَةِ كما فعل فِي صَلاتِهِ الأُوْلَى. ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فقال: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ! ثلاثًا"أيْ فأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعادة ثَلاثَ مَرَّاتٍ!"فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَه"أيْ لا أَعْرِفُ صَلاةً أَحْسَنَ مِمَّا رَأيْتَ!"فَعَلِّمْنِي"، أيْ فإنْ كانَتْ هذه الصَّلاةُ بَاطِلَةٌ فَعَلِّمْنِي كيف تَكُونُ الصَّلاةَ الصَّحِيْحَة."فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"وهِيَ الفَاتِحَةُ، أيْ ثُمَّ اقرأ بفاتحة الكتاب لما في رواية أحْمَدَ أنَّهُ قال له:"ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ""ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا؛ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا"أيْ ثم حافظ على الاعتدال في القيام وَالطُمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: وُجوبُ القِرَاءَةِ للإِمَامِ والمَأْمُومِ كما ترجم له البُخَارِيّ لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".
ثانيًا: أَنَّ الطُمَأْنِينَةَ رُكْنٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، قال النووي:"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ؛ وَلَمْ يُوجِبُهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ؛ وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ عَنْهُ جَوَابٌ صَحِيح. ٌ وَأَمَّا الِاعْتِدَالُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ كَمَا يَجِبُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ"اهـ (2) . ثالثًا: مَشْرُوعِيَّةُ الاعْتِدَالِ فِي الصَّلاةِ وهو فَرْضٌ عند الشَّافِعِيّ وأحمد (3) .
قال فِي"بداية المجتهد":"ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ مِنَ الرُّكُوعِ وَفِي الرُّكُوعُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ وَاجِبٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: هَلْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سُنَّةً أَوْ وَاجِبًا إِذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ نَصٌّ فِي ذَلِكَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِبَعْضِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَمْ بِكُلِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَمَنْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ الْأَخْذَ بِبَعْضِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَمْ يَشْتَرِطْ الِاعْتِدَالَ فِي الرُّكُوعُ، وَمَنْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ الْأَخْذَ بِالْكُلِّ اشْتَرَطَ الِاعْتِدَالَ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ لِلرَّجُلِ الَّذِي عَلَّمَهُ فُرُوضَ الصَّلَاةِ: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا» فَالْوَاجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ فَرْضًا"اهـ (4) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".