إِلَّا أَنْ يُخَصَّ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْإِمَامِ: (أَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ) فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ فِي التَّأْمِينِ، وَيَكُونُ إِنَّمَا تَضَمَّنَ حُكْمَ الْمَأْمُومِ فَقَطْ. ولَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ، يكون السَّامِعِ هُوَ الْمُؤَمِّنَ لَا الدَّاعِيَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ لِتَرْجِيحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ نَصًّا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي مَوْضِعِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَا فِي هَلْ يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ أَوْ لَا يُؤَمِّنُ؛ فَتَأَمَّلْ هَذَا"اهـ (2) ."
ثانيًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ للإِمام الجَهْرَ بالتَّأمِينِ فِي الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فأمِّنوا"حيث أمر المأمومين بالتَّأْمِينِ عند تَأْمِينِ الإمَامِ، وَهُمْ لا يعرفون ذلك إلّا إذا جهر بالتَّأْمِينِ، فيستحب له الجهر به ليسمعوه، ويؤمِّنوا مثله. ويؤيد ذلك حديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ (وَلاَ الضَّالِّينَ) قَالَ «آمِينَ» ؛ وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ" (3) وهو ما ترجم له البُخَارِيّ. وأمَّا حديثُ شُعْبَةَ:"أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"آمِينَ"وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ"فلا خلاف بين أهل العلم أنَّ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ إذا اختلفا فالقول قول شُعْبَةَ؛ كما أفاده ابن القيم. وفي رواية أخرى عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ:"وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ: وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ". وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: «حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أَصَحُّ» "اهـ (4) ."
والحَاصِلُ أنَّ الأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ: فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ للإِمَامِ الْجَهْر بالتَّأْمِينِ فِي الجَهْرِيَّةِ كما ترجم له البُخَارِيّ، وذهب إليه الشَّافِعِيّ ومن وافقه من أهل العلم. قَالَ العَيْنِيُّ:"وَفِيه أَنَّهُ مِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَهْر بالتَّأْمِينِ، وَذكر الْمُزَنِيّ فِي (مُخْتَصره) : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"لَا يَجْهَرُ الإِمَامُ فِي الصَّلاةِ الَّتِي يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَالْمَأْمُومُ يُخَافِتْ"."
وَفِي (الْخُلَاصَة) للغزالي: وَمن سنَن الصَّلَاة أَن يجْهر بالتَّأْمِينِ فِي الجَهْرِيَّةِ، وَفِي (التَّلْوِيح) : ويجهر فِيهَا الْمَأْمُوم عِنْد أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، وَقَالَ جمَاعَة: يخفيها، وَهُوَ قَول أبِي حنيفَة والكُوُفِيِّينَ وَأحَد قَوْلَيْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيدِ، وَفِي الْقَدِيم: يَجْهَرُ"اهـ (5) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ".
(1) "شرح الزرقاني على الموطأ":"باب ما جاء في التأمين خلف الإمام"ج 1 ص 330.
(2) "بداية المجتهد":"أحكام الإمام الخاصة به"ج 1 ص 155 - 156.
(3) قال فِي سنن أبِي داود -ن:"قال الألباني: صحيح". وقال في"موارد الظمآن":"وهذا لفظ أبي داود. وإسناده صحيح. وصححه الدارقطني، وحسنه الترمذي، والبغوي".
(4) "سنن الترمذي ت شاكر":"باب ما جاء فِي التأمين"ج 2 ص 27.
(5) "عمدة القاري": (بابُ جَهْرِ الإمامِ بِالتَّأمِين) ج 6 ص 50.