ثانيًا: أنَّ قَوْلَهُ:"بِاللَّيْلِ"يَدُلُّ على اختيار الأوقات المُنَاسِبَةِ لخُرُوجِهَا إلى المَسْجِدِ، كَوَقْتِ العِشَاءِ، أوْ الصُّبْحِ، حيث ينتشر الظِّلام فيسترها، فيأمن النَّاسُ من فِتْنَتِهَا، وذلك لزيادة الاحتياط والاطمئنان. وقَدْ أجْمَعَ فُقَهَاءُ الإِسْلامِ على أنَّ صَلاةَ المَرْأةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَلَاتُكُنَّ فِي بُيُوتِكُنَّ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكُنَّ فِي حُجُرِكُنَّ، وَصَلَاتُكُنَّ فِي حُجُرِكُنَّ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكُنَّ فِي دَوْرِكُنَّ، وَصَلَاتُكُنَّ فِي دَوْرِكُنَّ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكُنَّ فِي الْجَمَاعَةِ"أخرجه البَيْهَقِيّ (1) .
واختلفوا فِي جَوَازِ حُضُورِهَا لصَلاةِ الجَمَاعَةِ. فقالت المالكية:" (وَ) جَازَ خُرُوجُ امَرْأَةٍ (شَابَّةٍ) غَيْرِ فَارِهَةٍ فِي الشَّبَابِ وَالْجَمَالِ وَإِلَّا فَلَا تَخْرُجْ لِشَيْءٍ أَصْلًا (لِمَسْجِدٍ) لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلِجِنَازَةِ أَهْلِهَا وَقَرَابَتِهَا؛ بِشَرْطِ عَدَمِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ، وَأَنْ لَا تُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةَ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي رَدِيءِ ثِيَابِهَا، وَأَنْ لَا تُزَاحِمَ الرِّجَالَ، وَأَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً مِنْ تَوَقُّعِ الْمَفْسَدَةِ وَإِلَّا حُرِّمَ"اهـ (2) .
وقالت الشَّافِعِيَّة كما فِي"حاشية الجمل":"وَيُكْرَهُ لَهَا أَيْ الْمَرْأَةِ حُضُورُ جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةً، وَلَوْ فِي ثِيَابِ مِهْنَةٍ أَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ، وَبِهَا شَيْءٌ مِنْ الزِّينَةِ أَوْ الرِّيحِ الطَّيِّبِ، وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُهُنَّ حِينَئِذٍ كَمَا لَهُ مَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ بِغَيْرِ إذْنِ، وَلِيٍّ أَوْ حَلِيلٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ هُمَا فِي أَمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ، وَمَعَ خَشْيَةِ فِتْنَةٍ مِنْهَا أَوْ عَلَيْهَا"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَأْذَنُوا لَهُنَّ".
(1) قال في"مجمع الزوائد - الفكر":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ كَلَامٌ"اهـ.
(2) "منح الجليل شرح مختصر خليل": ج 1 ص 373.
(3) "حاشية الجمل على شرح المنهج": (قَوْلُهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ إلَخْ) ج 1 ص 503. وقال ابن قدامة:"يُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورِ الجَمَاعَةِ، لأَنَّ النِّسَاءَ كُنِّ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَسْنَاءِ".