فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 2668

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: اسْتَدَلَّ به بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ للجُمُعَةِ سُنَّة قَبْلِيَّة قِياسًَا على الظُّهْرِ، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما فِي هذا الحديث كان يُصَلِّي قبل الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ للظُّهْرِ سُنَّة قَبْلِيَّة، فكذلك للجُمُعَةِ، فهي مثلها، ولا فَرْقَ بينهما، وهو المشهور من مذهب الشَّافِعِيَّة، حيث قالوا: تُسَنُّ رَكْعَتَانِ قبل الجُمُعَةِ كما تُسَنُّ قبل الظُّهْرِ عملًا بِهَذَا الحديث، وبحديث ابن عمر"أَنَّه كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيُصَلِّي رَكَعَاتٍ يُطِيلُ فِيهِنَّ الْقِيَامَ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ"، وَقَالَ:"هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (1) ، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ"أخرجه ابن ماجة.

قال الحافظ في"الفتح":"احتج به النَّوَوِيّ - أي حديث ابن عمر - في"الخلاصة"على إثبات سنة الجُمُعَةِ التي قبلها، وتُعُقِّبَ بأنَّ قَوْلَهُ:"هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ"عائد على قَوْلِهِ:"ويُصَلِّي بعد الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ في بَيْتِهِ" (2) ."

وذَهَبَ الجمهور إلى أنّه لا سُنَّةَ قَبْلَ الجُمُعَةِ، قالوا: والمراد بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلِهِ:"هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ"أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكثر من النَّافلة قبل الزَّوال، لا أنَّه كان يصلي سُنَّةً قبل الجُمُعَةِ، لأنَّ الثَّابت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه لا يخرج إلى المسجد إلاّ بعد الزَّوال فإذا وصل صعد المنبر حالًا.

وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًَا فِي الْمَسْجِدِ، أو رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ. وأمَّا حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فهو مُسَلْسَلٌ بالضُّعَفَاءِ (3) ، كما أفاده في"المنهل العذب".

ثانيًا: مَشروعيةُ السُنَّةِ البَعْدِيَّةِ للجُمُعَةِ، وهو مذهب الجمهور. وأقلُّها ركعتان عند الحنابلة والشَّافِعِيَّة، وأكثرها أربع عند الشَّافِعِيَّة، وست عند الحنابلة. قال فِي"المجموع":"تُسَنُّ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا صَلَاةٌ وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا؛ وَالْأَكْمَلُ أَرْبَعٌ قَبْلَهَا وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا هَذَا مُخْتَصَرُ الْكَلَامِ فِيهَا: وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَقَالَ أبُو العَبَّاسِ ابن الْقَاصِّ: سُنَّتُهَا أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ: لَا نَصَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا يُصَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاَلَّذِي يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَهَا مَا يُصَلِّي بَعْدَ الظُّهْرِ إنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا"اهـ (4) .

وقالت الحنفية: هي أربع ركعات؛ قال فِي"الحجة على أهل المدينة": (وَقَالَ أَبُو حنيفَة: التَّطَوُّع قبل الْجُمُعَة أَربع رَكْعَات لَا يفصل بَينهُنَّ بِسَلام؛ وَبعدهَا أَربع رَكْعَات". وَقَالَ محمد بن الْحسن: بلغنَا عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ:"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا"أخرجه مسلم. قَالَ: وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ يَقُول:"الصَّلَاة بعد الْجُمُعَةِ سِتّ رَكْعَات؛ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعًا"(5) ؛ فَهَذَا الَّذِي بلغنَا! فَأَمَّا رَكْعَتَانِ بعد الْجُمُعَة فَذَلِك مِمَّا لَمْ نَعْرِفُهُ مِنَ القَوْلِ؛ وَهَذَا كُله تَطَوُّعٍ إنْ لَمْ يصليه رجل لَمْ يَضُرّهُ شَيْئًا) اهـ (6) ."

وقالت المالكية:"ليس للجُمُعَةِ سُنَّةٌ بَعْدِيَّةِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت