الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يروي لنا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سئل هل كَانَ الْقُنُوتُ مَوْجُودًَا على عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال:"قدْ كَانَ الْقُنُوتُ"موجودًا،"فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ؟"أي: هل كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصْحَابُهُ يفعلونه قبل الرُّكُوعِ أو بَعْدِهِ؟"قالَ: قَبْلَهُ، قِيلَ: فإِنَّ فُلَانًا"، ويحتمل أنّه ابن سيرين - كما أفاده العيني -،"أخْبَرَنِي عنْكَ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ (2) "، أيْ أَخْطَأ فِي فهمه إنْ روى لك أنَّ القُنُوتَ دَائِمًا بَعْدَ الرُّكُوعِ."إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَا"أي إِنَّمَا كان قنوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ مُدَّةً مَحْدُودَةً، وزَمَنًَا قَصِيرًا لا يتجاوز الشَّهْرِ، وفِي أحْوَالٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ، وعند النَّوَازِلِ، ثم بَيَّنَ سَبَبَ قُنُوتِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وقال:"أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًَا يُقَالُ لَهُمْ القُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا"أيْ يُقَارِبُ عَدَدُهُم السَّبْعِينَ"إِلَى قَوْم مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أولَئِكَ"، أي وكان عددهم أقل من المَبْعُوثِ إليهم وإِنَّمَا أرسلهم إليهم ليُعَلِّمُوهُم القُرْآنَ، وأحكام الإسلام،"وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ الله عَهْدٌ"فنقضوا العهد وغدروا بأولَئِكَ القُرَّاءِ وَقَتَلُوهُمْ."فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ"، أيْ يَدْعُو على أولَئِكَ الغادرين من رِعْلٍ وَذَكْوَانَ ثَلاثِينَ صَبَاحًَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: اسْتَدَلَّ به المالكية والحنفية على أنَّ القُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، لأنَّ أَنَسًَا لَمَّا سُئِلَ عن الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أو بعده قال: قَبْلَهُ، كما فِي حديث الباب. وذهبت الشَّافِعِيَّة والحنابلة إلى أَنَّ الْقُنُوتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ واستدلوا على ذلك بحديث ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ"أخرجه مسلم. وقد جَمَعَ الحافظُ بين مختلف رِوَايَاتِ حديثِ أَنَسٍ بقوله فِي"فتح الباري":"وَمَجْمُوعُ مَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلْحَاجَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ"اهـ (3) . وَمِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ الْقُنُوتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ حديثُ عليٍّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول فِي آخِرِ وِتْرِهِ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" (4) .
واختلفوا هل القُنُوتُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ أو فِي الْوِتْرِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ إلى أنَّهُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ وأحْمَدُ إلى أنَّهُ فِي الْوِتْرِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ:"وَاخْتلفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، فَرَأى عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَاخْتَارَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِه يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَإِسْحَاق"انْتهى (5) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) من رِوَايَة الْأسود عَنهُ أَنه: كَانَ يخْتَار الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي السّنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، وروى أَيْضا من رِوَايَة عَلْقَمَة أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وذهب الشَّافِعِيّ إلى أنَّ القُنُوتَ سُنَّة في الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، قال فِي"الفواكه الدَّوَانِي":"وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ عِنْدَنَا فِي الصُّبْحِ فَقَطْ وَلَوْ كَانَتْ فَائِتَةً لَا فِي"