وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى أَنَّ مَسَافَةَ السَّفَرِ الذي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ هو يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى المَرَأةَ أنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَدَلَّ ذلك عَلَى أنَّ أَقَلَّ السَّفَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وهو السَّفَرِ الذي تُقْصَرُ لَهُ الصَّلاةُ، وهو مذهب الْأَوْزَاعِيّ وابن المنذر وبعض الحنفية ويقدر بِثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمَانِ أَيْ سِتَةَ عَشَرَ فَرْسَخًَا". قال ابن قدامة:"قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ. قِيلَ لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَالَ: لَا. أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَمَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. فَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ فِي أَقَلِّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَالْفَرْسَخُ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، قَالَ الْقَاضِي: وَالْمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ"اهـ (1) . وقال فِي"المجموع":"(ولا يَجُوزُ القَصْرُ إلا فِي مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، كُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، فَذَلِكَ سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ"كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ". وَسَأَلَ عَطَاءٌ ابْنَ عَبَّاسٍ:"أَأَقْصُرُ إلَى عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: إلَى مِنًى؟ فَقَالَ: لَا؛ لَكِنْ إلَى جُدَّةَ وَعُسْفَانَ وَالطَّائِفِ". قَالَ مَالِكٌ:"بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ وَعُسْفَانَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ".
وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ تَتَكَرَّرُ مَشَقَّةُ الشَّدِّ وَالتَّرْحَالِ وَفِيمَا دُونَهُ لَا تَتَكَرَّرُ قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَقْصُرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ". وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُبِيحَ القَصْرَ إلا فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) . الْبُرُدُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَالرَّاءِ - وَكُلُّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، وَالْمِيلُ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَدِلَةً مُعْتَرِضَةً، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ. أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ؛ سَوَاءٌ فِي هَذَا جَمِيعُ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَب؛ ُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاَلَّذِي تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ الْأَسْفَارِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي هَاشِمِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ"اهـ (2) ."
ولحساب المقاييس قال أبو البقاء الكفوي رحمه الله فِي كِتَابِهِ"الكُلِّيَات":
إنَّ الْبَرِيدَ مِنْ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعُ ... وَلِفَرْسَخٍ فَثَلَاثُ أَمْيَالٍ ضَعُوا
وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنْ الْبَاعَاتِ قُلْ ... وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ فَتَتْبَعُوا
ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنْ الْأَصَابِعِ أَرْبَعٌ ... مِنْ بَعْدِهَا عِشْرُونَ ثُمَّ الْأُصْبُعُ
سِتُّ شَعِيرَةٍ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ ... مِنْهَا إلَى بَطْنٍ لِأُخْرَى تُوضَعُ
ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعَرَاتٍ فَقُلْ ... مِنْ شَعْرِ بَغْلٍ لَيْسَ فِيهَا مِدْفَعُ
وَفِي الحَدِيثِ أيْضًَا دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يَجُوزُ للمُسْلِمَةِ السَّفَرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ والله أعلم.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحدِيثِ دَلَّ عَلَى أنَّ أَقَلَّ السَّفَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهُوَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ.