فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 8432

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِالْبَاطِلِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصْرِفَ فِي الْمَحْظُورَاتِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يُؤْخَذُ بِالِانْتِهَابِ وَالْغَارَاتِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ التِّجَارَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمَأْلُوفَةُ عِنْدَهُمْ فِي بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً . فَلَفَظُ ( إِلَّا ) مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ النَّاسُ وَأَصْحَابُنَا مَعَهُمْ فِي الْمُرَادِ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ( إِلَّا ) فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَمْ يُرَدْ بِهَا الِاسْتِثْنَاءُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا: لَكِنْ . فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ، وَلَكِنْ كُلُوهَا تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [ النِّسَاءِ ] مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا وَلَا خَطَأً ، لَكِنْ إِنْ قَتَلَهُ خَطَأً ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى: إِلَّا: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى: الْوَاوِ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ، وَكُلُوهَا تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الْأَنْبِيَاءِ ] أَيْ وَاللَّهُ لَفَسَدَتَا . وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ أَيْضًا سَيَفْتَرِقَانِ ، وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ لَقَالَ: إِلَّا الْفَرْقَدَيْنِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى إِلَّا ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُظْهَرٌ ، لِيَصِحَّ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ جِنْسِهِ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا بِالتِّجَارَةِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ الْمَائِدَةِ: ] وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُحْرِمِينَ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الصَّيْدُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ - وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا [ مَرْيَمَ: ] وَلَيْسَ السَّلَامُ مِنْ جِنْسِ اللَّغْوِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت