وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ". وَرَفْعُ الْقَلَمِ عَنْهُ يَمْنَعُ مِنْ إِجَازَةِ عَقْدِهِ ؛ لِمَا فِي إِجَازَتِهِ مِنْ إِجْرَاءِ الْقَلَمِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ عَقْدُهُ كَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّبِيِّ حَقَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَوَلِّي عُقُودِهِ . وَالثَّانِي: حِفْظُ مَالِهِ . فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ حِفْظَ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ تَوَلِّي عُقُودِهِ . فَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ مُكَلَّفًا صَحَّ عَقْدُهُ ، وَالصَّبِيُّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْعَبْدِ حَقٌّ لِسَيِّدِهِ فَجَازَ لِلسَّيِّدِ إِسْقَاطُ حَقِّهِ بِالْإِذْنِ لَهُ ، وَالْحَجْرُ عَلَى الصَّبِيِّ حَقٌّ لِلْوَلِيِّ فَلَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُهُ بِالْإِذْنِ لَهُ . فَثَبَتَ أَنَّ عُقُودَ الصَّبِيِّ بَاطِلَةٌ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الشِّرَاءُ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ بِإِذْنٍ وَهُوَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ حكمه إِنْ عَقَدَ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهِ ؛ كَانَ بَاطِلًا: لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ مَمْنُوعُ التَّصَرُّفِ مَنْعًا عَامًّا ، وَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْهُ رَفْعُ الْحَجْرِ عَنْهُ ، فَإِنِ اشْتَرَى بِإِذْنِ وَلَيِّهِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ كَالصَّبِيِّ . وَالثَّانِي: جَائِزٌ كَالْعَبْدِ ، وَلَكِنْ لَوْ عَيَّنَ لَهُ الْوَلِيُّ مَا يَشْتَرِيهِ وَقَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ ، فَعَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى ذَلِكَ بِالثَّمَنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ؛ صَحَّ عَقْدُهُ وَجْهًا وَاحِدًا بِخِلَافِ التَّفْوِيضِ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ مُكَلَّفٍ قَدْ صُرِفَ عَنِ الِاجْتِهَادِ بِالتَّقْدِيرِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّفَهِ فِيهِ تَأْثِيرٌ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الشِّرَاءُ بِإِذْنٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، فَهُوَ الْعَبْدُ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ: لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّهِ ، فَإِنِ اشْتَرَى بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّ شِرَاءَهُ بَاطِلٌ: لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ نِكَاحًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ بَاطِلًا ، وَجَبَ إِذَا عَقَدَ بَيْعًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الشِّرَاءَ جَائِزٌ: لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ ،