فهرس الكتاب

الصفحة 2865 من 8432

قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْدَعَ شَيْئًا فَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَهْلِكْ ، وَقَدْ يُودَعُ فَيَتَعَدَّى فَيَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَا أُلْزِمُهُ إِلَّا بِالْيَقِينِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ابْتَدَأَ الْمُقِرُّ فَقَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ أَتَاهُ بِهَا وَقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي كُنْتُ أَقْرَرْتُ بِهَا كَانَتْ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً فَأَنْكَرَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَقَالَ: هَذِهِ لَعَمْرِي وَدِيعَتِي فِي يَدِكَ وَتِلْكَ أَلْفٌ أُخْرَى دَيْنٌ لِي فِي ذِمَّتِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ مُسْتَعْمَلٌ فِي الدُّيُونِ دُونَ الْوَدَائِعِ فَصَارَ ظَاهِرَ الْإِقْرَارِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُقَرِّ لَهُ . وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُرُوفَ الصِّفَاتِ تَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ فَجَازَ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ بِمَعْنَى عِنْدِي . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا احْتَمَلَهُ الْإِقْرَارُ فَهُوَ مَقْبُولٌ مِنَ الْمُقِرِّ ، وَمَا قَالَهُ الْمُقِرُّ هَاهُنَا مُحْتَمَلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ يَعْنِي رَدَّهَا . وَالثَّانِي: عَلَيَّ ؛ لِأَنَّنِي تَعَدَّيْتُ فِيهَا فَضَمِنْتُهَا . وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ بِهَا وَدِيعَةً قَدْ تَلِفَتْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ فَيُحْتَمَلُ عَلَيَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ . وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الرَّدِّ ، وَلَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِغَيْرِ التَّعَدِّي فَلَمْ يَكُنْ لِسُقُوطِ ضَمَانِهَا وَجْهٌ فَلَزِمَهُ الْغُرْمُ ."

فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ فِي ذِمَّتِي أَلْفٌ ، ثُمَّ أَحْضَرَ أَلْفًا وَقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي أَقْرَرْتُ لَهُ بِهَا كَانَتْ لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةً ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ هَذِهِ الْوَدِيعَةُ وَتِلْكَ دَيْنٌ غَيْرُهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ فِي ذِمَّتِي لِتَعْدِيَةٍ فِيهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ بِأَلْفٍ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَشَارَ إِلَيْهَا أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُضَافَ إِلَى ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ بَعْدَ التَّلَفِ فَتَنَافَيَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:"وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً ، أَوْ مُضَارَبَةً دَيْنًا كَانَتْ دَيْنًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت