فهرس الكتاب

الصفحة 3061 من 8432

فَصْلٌ: وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ أَحْوَالِ الشَّفِيعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ وَتَمَكُّنِهِ مِنَ الْأَخْذِ: أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الطَّلَبِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ ، وَالْإِمْلَاءِ ، وَبِهِ تَقَعُ الْفُتْيَا أَنَّ الشُّفْعَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِانْقِضَاءِ زَمَانِ الْمَكِنَةِ وَأَنَّ حَقَّ طَلَبِهَا عَلَى الْفَوْرِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُؤَقَّتٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْمَكِنَةِ فَإِنْ طَلَبَهَا إِلَى ثَلَاثٍ كَانَ عَلَى حَقِّهِ ، وَإِنْ مَضَتِ الثَّلَاثُ قَبْلِ طَلَبِهِ بَطَلَتْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُمْتَدٌّ عَلَى التَّرَاخِي مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ . فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ عِقَالٍ فَإِنْ أَخَذَهَا فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ تَرَكَهَا رَجَعَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ فِي اسْتَدَامَتْهَا إِدْخَالَ ضَرَرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي مُسْتَدِيمًا إِذْ لَيْسَ يَعْلَمُ بَقَاءَ مِلْكِهِ فَيَتَصَرَّفَ ، وَلَا زَوَالَ مِلْكِهِ فَيُطَالِبَ بِالثَّمَنِ ، وَأَنَّ مَا وُضِعَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ أَعْظَمُ الضَّرَرِ ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُعْتَبَرُ بِالْمَكِنَةِ الْمَعْهُودَةِ مِنْ غَيْرِ إِرْهَاقٍ ، وَلَا عَجَلَةٍ . فَإِذَا عَلِمَ مُكِّنَ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْ لُبْسِ ثَوْبِهِ ، وَجَمْعِ مَالِهِ ، وَغَلْقِ بَابِهِ ، وَصَلَاةِ وَقْتِهِ فَإِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمُشْتَرِي مَشَى عَلَى مَهْلٍ كَعَادَتِهِ ، فَإِذَا لَقِيَ الْمُشْتَرِي جَازَ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ قَدَّمَ السَّلَامَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِطَلَ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ الْمَأْثُورَةِ ، وَخَرْقِ الْعَادَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ . وَلَكِنْ لَوْ حَادَثَهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِطَلَ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبَ ثُمَّ أَمْسَكَ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ صَرِيحٍ بِالْعَفْوِ ، وَلَا تَعْرِيضٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَدِيمًا لِلطَّلَبِ بِحَسْبِ الْمَكِنَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"شُفْعَتُهُ بَاقِيَةٌ أَبَدًا إِذَا قَدَّمَ الطَّلَبَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَفْوِ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ:"شُفْعَتُهُ بَاقِيَةٌ فِي زَمَانِ إِمْسَاكِهِ إِلَى مُدَّةِ شَهْرٍ فَإِنْ طَلَبَ بَعْدَهُ ، وَإِلَّا سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ، وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالطَّلَبِ الْأَخْذُ فَإِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِلطَّلَبِ تَأْثِيرٌ ، وَبَطَلَ بِالْإِمْسَاكِ خِيَارُهُ ."

فَصْلٌ: وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْمَكِنَةِ ، فَوَجْهُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِارْتِفَاقِ الشَّفِيعِ بِهَا فِي الْتِمَاسِ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ فِي الْأَخْذِ أَوِ التَّرْكِ ، وَلِإِجْبَارِ الْمُشْتَرِي فِي حُسْنِ الْمُشَارَكَةِ فَيُقَرُّ أَوْ فِي سُوءِ الْمُشَارَكَةِ لِيُصْرَفَ ، فَلَوْ رُوعِيَ فِيهِ الْفَوْرُ ضَاقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت