أَحَدُهَا: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيٌّ كَامِلُ النَّظَرِ ، فَأَيُّهُمَا انْفَرَدَ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْأَطْفَالِ جَازَ . وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ ، فَالْبَاقِي مِنْهُمَا هُوَ الْوَصِيُّ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ بَدَلَ الْمَيِّتِ أَوِ الْفَاسِقِ أَحَدًا إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ ضَعْفٌ فَيُقَوِّيهِ بِغَيْرِهِ .
فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى أَلَّا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَعَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعُ فِي إِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الْأَطْفَالِ . فَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ لِمَا أَمْضَاهُ مِنْ ذَلِكَ ضَامِنًا إِنْ تَعَلَّقَ بِعَقْدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ إِنْفَاذِ وَصِيَّةٍ عُيِّنَتْ لِمُعَيَّنٍ لَمْ يُضَمَّنْ ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا مُنِعَ الْبَاقِي مِنْهُمَا مِنَ النَّظَرِ حَتَّى يُقِيمَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمَيِّتِ غَيْرَهُ . فَلَوْ أَذِنَ الْحَاكِمُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْوَصِيَّةِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ . وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا رَدَّ الْحَاكِمُ الْوَصِيَّةَ إِلَى اثْنَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى أَلَّا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ رَدَّهَا إِلَى وَاحِدٍ ارْتَضَاهُ لَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ فِيهَا الْحَاكِمُ بِنَفْسِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ، فَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَنَابَ فِيهَا وَاحِدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ فِي وَصَايَاهُ إِلَّا بِنَظَرِ اثْنَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ اسْتِظْهَارًا لِنَفْسِهِ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي إِرَادَتِهِ وَيَمْنَعَهُ فَضْلَ اسْتِظْهَارِهِ وَلَيْسَ كَالْحَاكِمِ النَّاظِرِ بِنَفْسِهِ .
فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا ، فَلَا يَأْمُرُهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ وَلَا يَأْذَنُ لَهُمَا فِي الِانْفِرَادِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: عَلَيْهِمَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الْوَصِيَّةِ إِذَا أُطْلِقَتْ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّفَرُّدُ بِهَا ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِمَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ انْفِرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخَافُ فَوَاتَهُ أَوْ ضَرَرَهُ وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْكَفَنُ ، وَرَدُّ الْوَدَائِعِ ، وَقَضَاءُ الدُّيُونِ ، وَإِنْفَاذُ الْوَصَايَا الْمُعَيَّنَةِ ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَكِسْوَتُهُمْ ، وَعَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعُ فِيمَا سِوَى هَذِهِ السِّتَّةِ ، فَإِنِ انْفَرَدَ بِهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ . وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا مَوْضُوعَةٌ لِفَضْلِ الِاحْتِيَاطِ وَهِيَ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ الْوَكَالَاتِ ، فَلَمَّا كَانَ تَوْكِيلُ اثْنَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَمْنَعُ مِنْ تَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالْوَكَالَةِ ، كَانَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى اثْنَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ تَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلسِّتَّةِ مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ خَوْفَ الضَّرَرِ ، قَوْلٌ يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ طَعَامًا رَطْبًا يُخَافُ تَلَفُهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ وَإِنْ خِيفَ ضَرَرُهُ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ إِطْلَاقِ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِمَا كَالْحُكْمِ فِي اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ أَبْدَلَ