قَالَ فِيهِ: قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [ آلِ عِمْرَانَ: 64 ] الْآيَةَ ، فَجَعَلَهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ: وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِلدِّينِ وَالْكِتَابِ لَا لِلنَّسَبِ: فَلِذَلِكَ مَا اسْتَوَى حُكْمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ فِيهِ . وَالصِّنْفُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا قَدْ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَقٍّ ، وَلَا تَمَسَّكُوا بِكِتَابٍ صَحِيحٍ ، فَصَارُوا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُرْمَةٌ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي أَنْ لَا تُقْبَلَ لَهُمْ جِزْيَةٌ ، وَلَا يُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ . وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: أَنْ يُشَكَّ فِيهِمْ هَلْ دَخَلُوا فِيهِ قَبْلَ التَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ كَنَصَارَى الْعَرَبِ ، كَوَجٍّ وَفِهْرٍ وَتَغْلِبَ ، فَهَؤُلَاءِ شَكَّ فِيهِمْ عُمَرُ فَشَاوَرَ فِيهِمُ الصَّحَابَةَ ، فَاتَّفَقُوا عَلَى إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ حَقْنًا لِدِمَائِهِمْ: وَأَنْ لَا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ لِأَنَّ الدِّمَاءَ مَحْقُونَةٌ ، فَلَا تُبَاحُ بِالشَّكِّ وَالْفُرُوجَ مَحْظُورَةٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالشَّكِّ . فَهَذَا حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: هُمْ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَعَبَدَةِ الشَّمْسِ وَالنِّيرَانِ مُشْرِكُونَ لَا يُقْبَلُ لَهُمْ جِزْيَةٌ ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَعَبَدَةِ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ حِمَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ ، أَوْ قَالَ بِتَدْبِيرِ الطَّبَائِعِ وَبَقَاءِ الْعَالَمِ ، أَوْ قَالَ بِتَدْبِيرِ الْكَوَاكِبِ فِي الْأَكْوَانِ وَالْأَدْوَارِ ، فَلَمْ يُصَدِّقْ نَبِيًّا ، وَلَا آمَنَ بِكِتَابٍ ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُشْرِكُونَ لَا يُقْبَلُ لَهُمْ جِزْيَةٌ ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ ، وَلَا يُحْكَمُ فِيهِمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِالسَّيْفِ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يُؤَمَّنُوا مُدَّةً أَكْثَرُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُرَاعَى انْقِضَاؤُهَا فِيهِمْ ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَمَانِهِمْ حَرْبٌ ، وَسَوَاءٌ أَقَرُّوا بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ أَشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ ، أَوْ جَحَدُوهُ وَلَمْ يُقِرُّوا بِهِ إِلَهًا وَلَا خَالِقًا فِي أَنَّ حُكْمَ جَمِيعِهِمْ سَوَاءٌ ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ جِزْيَةٌ وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُمْ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ الصَّابِئُونَ ، وَالسَّامِرِيَّةُ ، وَالْمَجُوسُ لَا يُقْبَلُ لَهُمْ جِزْيَةٌ ، وَلَا يُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ فَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الصَّابِئُونَ ، وَالسَّامِرِيَّةُ ، وَالْمَجُوسُ . فَأَمَّا السَّامِرَةُ: فَهُمْ صِنْفُ الْيَهُودِ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ حِينَ غَابَ عَنْهُمْ مُوسَى مُدَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ ، وَاتَّبَعُوا السَّامِرِيَّ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ ، وَأَمْرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ ، وَقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ . وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَهُمْ صِنْفٌ مِنَ النَّصَارَى ، وَافَقُوهُمْ عَلَى بَعْضِ دِينِهِمْ وَخَالَفُوهُمْ فِي بَعْضِهِ ، وَقَدْ يُسَمَّى بِاسْمِهِمْ ، وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا صَانِعَةً مُدَبِّرَةً ، فَنَظَرَ الشَّافِعِيُّ فِي دِينِ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ: فَوَجَدَهُ مُشْتَبِهًا ، فَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ لِاشْتِبَاهِ أَمْرِهِمْ ، فَقَالَ هَاهُنَا: إِنَّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أَصْلِ مَا يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ فَيُحَرَّمُونَ ، وَقَطَعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ ، وَتَوَقَّفَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهِمْ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَخْلُو حَالُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَقَالَ إِنْ وَافَقُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَصْلِ مُعْتَقَدِهِمْ ، وَيُخَالِفُوهُمْ فِي فُرُوعِهِ فَيُقِرُّ السَّامِرَةُ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ ، وَيُقِرُّ الصَّابِئُونَ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ ، فَهَؤُلَاءِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قَبُولِ جِزْيَتِهِمْ ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ ، وَنِكَاحِ