فهرس الكتاب

الصفحة 6126 من 8432

فَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ ، فَلَيْسَ بِقَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ، وَإِنَّمَا وَهِمَ بِهِ الْمُزَنِيُّ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ شَهِدَ مِنْهُمْ عَدْلٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى أَنْ يَشْهَدَ لِمُوَافِقِهِ بِتَصْدِيقِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . شَهَادَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ إِذَا كَانُوا عُدُولًا مَقْبُولَةٌ ، وَلَا يَكُونُوا بِمَا تَأَوَّلُوهُ مِنَ الْبَغْيِ فُسَّاقًا: لِحُدُوثِهِ مِنْهُمْ عَنْ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُمْ فُسَّاقٌ ، لَكِنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ: لِأَنَّهُ فِسْقٌ مِنْ تَدَيُّنٍ وَاعْتِقَادٍ ، وَلِذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ . وَقَالَ مَالِكٌ: هُمْ فُسَّاقٌ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا فِي صِحَّةِ الْعَدَالَةِ مِنْهُمْ ، وَأَنْ لَا يَصِيرُوا بِالتَّأْوِيلِ الْمُسَوِّغِ فُسَّاقًا: أَنَّ الِانْفِصَالَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى غَيْرِهِ - إِذَا كَانَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ مَسَاغٌ - لَا يَقْتَضِي التَّفْسِيقَ ، كَالْمُنْتَقِلِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا يَفْسُقُ بِالِانْتِقَالِ: لِأَنَّهُ عَدَلَ إِلَى مَذْهَبٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا إِذَا اجْتَنَبَ مَا يَجْتَنِبُهُ عُدُولُ أَهْلِ الْعَدْلِ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عدل أهل البغي إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى مَنْ خَالَفَهُ مُبَاحَ الدَّمِ وَالْمَالِ ، فَيَكُونُ بِهَذِهِ الِاسْتِبَاحَةِ فَاسِقًا . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ رَأْيَ الْخَطَّابِيَّةِ ، وَهُمْ قَوْمٌ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِمُوَافِقِهِمْ عَلَى مُخَالِفِهِمْ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ ، فَيُصَدِّقُهُ ، ثُمَّ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ . وَبَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْقَوْلِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ مُوجِبٌ لِلْكُفْرِ وَإِحْبَاطِ الطَّاعَاتِ . فَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ مَرْدُودَةٌ ، وَفِي عِلَّةِ رَدِّهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفِسْقُ: لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ . وَالثَّانِي: التُّهْمَةُ مَعَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ: لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي مُمَاثَلَةِ مُوَافِقِهِ ، فَصَارَ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى عَدَالَةٍ . فَعَلَى هَذَا: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إِذَا شَهِدَ بِالْحَقِّ مُطْلَقًا ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى إِقْرَارَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِ وَجْهَانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت