فهرس الكتاب

الصفحة 6395 من 8432

وَتَأْثِيرُ نَسْخِ الشُّرْبِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فِي الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَرِهَ أَنْ يُشْرَبَ مِنْهَا إِلَّا مَا يُسْكِرُ ، وَمَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ . لَمْ يَكْرَهْ شُرْبَ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ فِي الْقَدِيمِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُهُ . وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا ، وَأَشْبَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَاجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَشَرِبَ عُمَرُ مِنْ إِدَاوَةٍ حُدَّ شَارِبُهَا ، فَلِأَنَّ عُمَرَ شَرِبَ قَبْلَ إِسْكَارِهَا ، وَشَرِبَ الرَّجُلُ بَعْدَ إِسْكَارِهَا . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرْبِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ عَلِيٍّ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى مِثْلُهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْمَعَانِي: بِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى عَنِ النَّبِيذِ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ ، انْتَفَى عَنْهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي الِاسْمِ وَالتَّحْرِيمِ ، فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إِذَا افْتَرَقَا فِي حُكْمٍ يَجِبُ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي كُلِّ حُكْمٍ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي تَحْرِيمِ الْكَثِيرِ وَافْتَرَقَا عِنْدَهُ فِي تَحْرِيمِ الْيَسِيرِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْفَرْقُ فِي الْيَسِيرِ مَانِعًا مِنَ التَّسَاوِي فِي الْكَثِيرِ . كَذَلِكَ لَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُمَا فِي التَّكْفِيرِ مُوجِبًا لِافْتِرَاقِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ التَّسَاوِي فِي التَّحْرِيمِ مَعَ الِافْتِرَاقِ فِي التَّكْفِيرِ . أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ يَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي التَّكْفِيرِ ، فَيُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الْكَبَائِرِ وَلَا يُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الصَّغَائِرِ ، كَذَلِكَ الْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ لَا يَمْنَعُ افْتِرَاقُهُمَا فِي التَّكْفِيرِ اسْتِوَاءَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ التَّكْفِيرُ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ ، حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِزَوَالِ التَّكْفِيرِ فِي اسْتِحْلَالِ النَّبِيذِ عَلَى إِبَاحَتِهِ ، كَمَا دَلَّ التَّكْفِيرُ فِي اسْتِبَاحَةِ الْخَمْرِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي التَّكْفِيرِ ارْتِفَاعُ الشُّبْهَةِ عَمَّا اسْتُحِلَّ مِنَ الْحَرَامِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْخَمْرِ ، مَعْدُومٌ فِي النَّبِيذِ كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ النَّبِيذَ النِّيءَ مُحَرَّمٌ ، وَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ . وَالْجَوَابُ عَلَى أَنَّ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيضًا: فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَيَانِ لَا فِي النَّقْلِ ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ الْبَيَانُ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو طَلْحَةَ بِالنِّدَاءِ وَهُوَ عَلَى شَرَابٍ ، فَأَمَرَ أَنَسًا بِإِرَاقَتِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ النَّقْلَ وَالْبَيَانَ مَعًا مُسْتَفِيضَانِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي التَّأْوِيلِ فِي الْبَيَانِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ بَيَانَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت