وَالثَّانِي: مَا شَانَهُ الضَّرْبُ وَقَبَّحَهُ كَالْوَجْهِ: لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَلَدَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ وَأَوْجِعْ ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْفَرْجَ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْبِيحِ الْوَجْهِ ، وَعَنْ ضَرْبِهِ ، وَعَنِ الْوَشْمِ فِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ رَجُلًا ، وَهُوَ يَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَكَ . فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسُبُّوا الْوَجْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ . يَعْنِي عَلَى صُورَةِ هَذَا الرَّجُلِ ، فَلَمَّا نَهَى عَنْ سَبِّ الْوَجْهِ كَانَ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِهِ أَوْلَى . فَأَمَّا ضَرْبُ التَّعْزِيرِ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ كَالْحَدِّ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَسَدِ . وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِّ: بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنِ الْحَدِّ لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْجَسَدِ ، وَلَمَّا جَازَ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ جَازَ الْعَفْوُ عَنْ ضَرْبِ بَعْضِ الْجَسَدِ . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِأَنَّ جَمْعَ الضَّرْبِ مُفْضٍ إِلَى التَّلَفِ ، فَلَمَّا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ كَانَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي التَّعْزِيرِ الْمُبَاحِ أَوْلَى .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَا يَبْلُغُ بِعُقُوبَةٍ أَرْبَعِينَ: تَقْصِيرًا عَنْ مُسَاوَاةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُدُودِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعْزِيرَ مُبَاحٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْلَغَ بِأَكْثَرِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ التعزير ، وَغَايَتُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ: لِأَنَّ أَدْنَى الْحُدُودِ حَدُّ الْخَمْرِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ . رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ضَرَبَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ ، فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ . فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحُدُودِ: لَيْسَ مَعَ هَذَا الْخَبَرِ مِنْ مُسَاوَاةِ التَّعْزِيرِ فِي الْحُدُودِ . رَوَى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا جَلْدَ فَوَقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ ، إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ فَهَلَّا مَنَعَكُمْ هَذَا الْخَبَرُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي التَّعْزِيرِ ، وَأَنْتُمْ لَا