فهرس الكتاب

الصفحة 6450 من 8432

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ تَطَلَّعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ ثُقْبٍ فَطَعَنَهُ بِعُودٍ أَوْ رَمَاهُ بِحَصَاةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ ، فَهِيَ هَدَرٌ . وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ حُجْرٍ وَبِيَدِهِ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لِي ، أَوْ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَنَازِلَ سَاتِرَةٌ لِعَوْرَاتِ أَهْلِهَا ، يَحْرُمُ انْتِهَاكُهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ فِيهَا ، فَإِذَا تَطَلَّعَ رَجُلٌ عَلَى مَنْزِلِ رَجُلٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا تَطَلَّعَ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ ، أَوْ غَيْرَ سَاتِرٍ لَهَا . فَإِنْ كَانَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ كَالْمُتَطَلِّعِ مِنْ ثُقْبٍ فِي بَابٍ أَوْ كُوَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي حَائِطٍ أَوْ شُبَّاكٍ ضَيِّقِ الْأَعْيُنِ ، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَرْمِيَ عَيْنَ الْمُتَطَلِّعِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ ، وَلَا يُفْضِيَ إِلَى تَلَفِ نَفْسِهِ كَالْحَصَاةِ وَالْعُودِ اللَّطِيفِ وَالْمِدْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ وَلَا أَنْ يَطْعَنَهُ بِرُمْحٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ فَتَتْلَفُ بِهِ النَّفْسُ ، وَالْمَقْصُودُ كَفُّ الْعَيْنِ مِنَ النَّظَرِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَلَفَ النَّفْسِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ نَفْسَهُ وَلَا يَضْمَنُ بِإِفْقَاءِ عَيْنِهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلِ اسْتَبَاحَ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ أَوْ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يَسْتَبِيحَهُ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ضَمِنَ . فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي تَرْتِيبِ الدَّفْعِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ . فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ ، وَمُوَافِقًا لِنَزْعِ الْيَدِ الْمَعْضُوضَةِ إِذَا سَقَطَ بِهَا أَسْنَانُ الْعَاضِّ ابْتِدَاءً . وَاخْتَلَفَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِفَقْءٍ إِلَّا بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ ، وَهُوَ ضَامِنٌ إِنِ ابْتَدَأَ بِهِ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ احْتِجَاجًا بِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ أَغْلَظُ مِنَ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ ، فَلَوْ دَخَلَهَا لَمْ يَسْتَبِحْ أَنْ يَبْتَدِئَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ، فَكَانَ بِأَنْ لَا يَسْتَبِيحَهُ بِالتَّطَلُّعِ أَوْلَى وَحَكَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِالتَّطَلُّعِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِفَقْءِ الْعَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ، وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيَجْعَلُونَهُ خِلَافًا مَعَ أَبَى حَنِيفَةَ: احْتِجَاجًا بِالْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت