خَطَأَهُ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا لَمْ يَضْمَنْ دِيَتَهُ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ ، وَضَمِنَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ: لِأَنَّ الْأَسِيرَ قَدْ صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ كَالْمَمْلُوكِ لَهُمْ ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهَاجَرَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ كَالدَّاخِلِ إِلَيْهَا مُسْلِمًا ، وَإِنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهَا كَانَتْ نَفْسُهُ هَدْرًا لَا يُضْمَنُ بِقَوْدٍ وَلَا دِيَةٍ ، وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ: احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا [ الْأَنْفَالِ: 72 ] . وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، وَهَذَا مُوجِبٌ لِإِهْدَارِ دَمِهِ قَالَ: وَلِأَنَّهُ دَمٌ لَمْ يُحْقَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُضْمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْحَرْبِيِّ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ، وَهَذَا مَظْلُومٌ بِالْقَتْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةَ ، وَلِأَنَّهُ إِسْلَامٌ صَارَ الدَّمُ بِهِ مَحْقُونًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ بِهِ مَضْمُونًا كَالْمُهَاجِرِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَارٍ يَنْهَدِرُ الدَّمُ فِيهَا بِالرِّدَّةِ ، يُضْمَنُ الدَّمُ فِيهَا بِالْإِسْلَامِ كَدَارِ الْإِسْلَامِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ وُرُودُهَا فِي الْمِيرَاثِ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ، ثُمَّ نُسِخَتْ حِينَ تَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ دُونَ الْهِجْرَةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ إِنَّمَا تَبَرَأَ مِنْ أَفْعَالِهِ ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ هَدْرَ دَمِهِ كَمَا قَالَ: مَنْ غَشِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ فَهُوَ أَنَّ هَذَا هَدْرُ دَمٍ مَحْقُونٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِ الدَّارِ تَأْثِيرٌ ، وَدَمُ الْحَرْبِيِّ مُبَاحٌ فَلَا يَكُنْ لِاخْتِلَافِ الدَّارِ تَأْثِيرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الَّذِينَ يُقَاتِلُوهُ أُمَّةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَلْفَ التُّرْكِ وَالْخَزَرِ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ، فَلَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُدْعَوْا إِلَى الْإِيمَانِ ، فَإِنْ قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَى مَنْ قَتَلَهُ الدِّيَةُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَالْكَفَّارَةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ كيف يبدأ قتالهم ، وَهُمْ مَنْ نَعْرِفُهُمُ الْيَوْمَ كَالرُّومِ وَالتُّرْكِ ، وَالْهِنْدِ ، وَمَنْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَدَعْوَةُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَبْلُغَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحِجَازِ نَبِيًّا أَرْسَلَهُ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ بِمُعْجِزَةٍ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ، وَطَاعَتِهِ فِي الْعَمَلِ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ يُقَاتِلُ مَنْ خَالَفَهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ أَوْ يُعْطِيَ الْجِزْيَةَ إِنْ كَانَ كِتَابِيًّا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَدَ هَذَيْنِ ، أَوْ كَانَ غَيْرَ كِتَابِيٍّ فَلَمْ يُؤْمِنَ اسْتَبَاحَ قَتْلُهُ ، فَهَذِهِ صِفَةُ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا كَانُوا مِمَّنْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يُدْعُوا إِلَيْهَا ثَانِيَةً إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِظْهَارِ ، وَالْإِنْذَارِ وَجَازَ أَنْ