فهرس الكتاب

الصفحة 6677 من 8432

يُبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ زَحْفًا وَمُصَافَّةً ، وَجَازَ أَنْ يُبْدَأَ بِهِ غُرَّةً وَبَيَاتًا: قَدْ شَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ فِي نِعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ: فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ ، وَقَالَ حِينَ سَارَ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ: اللَّهُمَّ اطْوِ خَبَرَنَا عَنْهُمْ: حَتَّى لَا يَعْلَمُوا بِنَا إِلَّا فَجْأَةً: لَمَّا قَدِمَهُ مِنَ اسْتِدْعَائِهِمْ ، فَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِمْ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ كيف يبدأ بقتالهم ، قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلَّا أَنْ يَكُنْ خَلْفَ الَّذِينَ يُقَاتِلُوهُ أُمَّةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَلْفَ التُّرْكِ وَالْخَزَرِ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ". وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي وَقْتِ الشَّافِعِيِّ ، فَهُوَ الْآنَ أَبْعَدُ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي زِيَادَةٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التَّوْبَةِ: 33 ] . فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْآنَ قَوْمٌ لَمْ تُبْلِغْهُمُ الدَّعْوَةُ لَمْ يَجُزِ الِابْتِدَاءُ بِقِتَالِهِمْ إِلَّا بَعْدَ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ لَهُمْ وَاسْتِدْعَائِهِمْ بِهَا إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَدِمَاؤُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مَحْقُونَةٌ ، وَأَمْوَالُهُمْ مَحْظُورَةٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الْإِسْرَاءِ: 15 ] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النِّسَاءِ: 165 ] . وَعَلَى هَذَا كَانَتْ سِيرَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُشْرِكِينَ . رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ ، أَوْ سَرِيَّةٍ وَأَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ إِنْذَارِهِمْ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ من لم تبلغه الدعوة مَا تَضَمَّنَتْهُ دَعْوَتُهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا هُمْ فِيهِ مَحْجُوجُونَ بِعُقُولِهِمْ دُونَ السَّمْعِ ، وَهُوَ مُعْجِزَاتُ الرُّسُلِ وَحُجَجُهُمُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا هُمْ فِيهِ مَحْجُوجُونَ بِالسَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ ، وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ التَّكْلِيفُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ ، هَلْ هُمْ فِيهِ مَحْجُوجُونَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا مَعَ تَقَدُّمِ خِلَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُمْ مَحْجُوجُونَ فِيهِ بِالْعَقْلِ دُونَ السَّمْعِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت