مَكَّةَ: أَلَا تَنْزِلُ دَارَكَ ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ فَلَوْلَا زَوَالُ مُلْكِهِ عَنْهَا بِغَلَبَةِ عَقِيلٍ عَلَيْهَا لَاسْتَبْقَاهَا عَلَى مِلْكِهِ وَنَزَلَهَا . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ فِي سِيَرِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَبْدٍ وَبَعِيرٍ أَحْرَزَهُمَا الْعَدُوُّ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَاحِبَتِهِمَا: إِنْ أَصَبْتِهِمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَهُمَا لَكِ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِنْ وَجَدْتِهِمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُمَا لَكِ بِالْقِيمَةِ . قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مَلَكَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، جَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالْبُيُوعِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ أُخِذَ قَهْرًا عَلَى وَجْهِ التَّدَيُّنِ ، مِلْكُهُ أَخْذُهُ كَالْمُسْلِمِ مِنَ الْمُشْرِكِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [ الْأَحْزَابِ: 27 ] . فَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ جَعَلَ أَمْوَالَهُمْ لَنَا وَلَوْ جَعَلَ أَمْوَالَنَا لَهُمْ لَسَاوَيْنَاهُمْ وَبَطَلَ فِيهِ الِامْتِنَانُ . وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ غَارُوا عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ ، وَأَخَذُوا الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَامْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ ، فَرَكِبَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَجَتْ مِنْ طَلَبِهِمْ حَتَّى قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَنْحَرَهَا ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: بِئْسَ مَا جَازَتْهَا ، لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَأَخَذَ نَاقَتَهُ مِنْهَا ، فَلْوَ مَلَكَهَا الْمُشْرِكُونَ بِالْغَارَةِ لِمَلَكَتْهَا الْأَنْصَارِيَّةُ بِالْأَخْذِ ، وَلَمَا اسْتَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِرْجَاعَهَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ ، فَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ بِهَذَا الْخَبَرِ مَالُهُ لِمُسْلِمٍ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحِلَّ مَالُهُ لِمُشْرِكٍ ، وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اسْتِدْلَالِ هَذَا الْخَبَرِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا مَنَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ غَصْبِهِ مَا لَمْ يُمَلَّكْ بِغَصْبِهِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْلِمِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَغَلُّبٌ لَا يُمَلَّكُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُسْلِمِ ، فَلَمْ يُمَلَّكْ بِهِ الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالسَّبْيِ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يُمَلَّكْ عَلَى الْمُسْلِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يُمَلَّكْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَالْمُدَبَّرِ ، وَالْمُكَاتَبِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ ؟ ، فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَشَأَ فِي دَارِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ كَفَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَوَرِثَهَا عَقِيلٌ دُونَ عَلِيٍّ لِكُفْرِ عَقِيلٍ وَإِسْلَامِ عَلِيٍّ ، وَعِنْدَنَا لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَبَاعَهَا عَقِيلٌ بِمِيرَاثِهِ لَا بِغَصْبِهِ وَحَكَى ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَرِثَهُ ابْنَاهُ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ دُونَ عَلِيٍّ ، فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا حَقَّنَا مِنَ الشَّعْبِ .