فهرس الكتاب

الصفحة 7130 من 8432

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُرِيدَ يَمِينًا فَلَا تَكُونُ يَمِينًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا: لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ . وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ لَفْظَهُ قَدْ صَارَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ كَذَا ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ: لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي امْرُؤٌ كَيْفَ يَتَّقِي نَوَائِبَ هَذَا الدَّهْرِ أَمْ كَيْفَ يَحْذَرُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْعُرْفِ بِالْإِرَادَةِ ، فَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ الصِّفَاتِ الْمَحْضَةِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَهُ ، وَلَا تَكُونُ لَهُ فِيهِ إِرَادَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَكُونُ يَمِينًا لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ عُرْفِ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الْحِجْرِ: 72 ] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ يَمِينًا لِأَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ مُشْتَرَكٌ ، وَعُرْفَ الشَّرْعِ فِيهِ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ، وَأَقْسَامُ اللَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِأَقْسَامِ عِبَادِهِ ، لِجَوَازِ قَسَمِهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ بِهَا الْمَخْلُوقُونَ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَايْمُ اللَّهِ ، وَأَيْمَنُ اللَّهِ انعقاد اليمين في هذه الحالة ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا كَانَ يَمِينًا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: وَايْمُ اللَّهِ إِنَهُ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ يَمِينًا ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لَمْ تَكُنْ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي قَوْلِهِمْ: لَعَمْرُ اللَّهِ ، أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَأَيْمُ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا يَمِينٌ مَعَ وُجُودِ الْإِرَادَةِ وَعَدَمِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَاهَا اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا ، فَهُوَ يَمِينٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ أَخَذَ سَلَبَهُ غَيْرُهُ:"لَاهَا اللَّهِ إِذَنْ تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُعْطِيكَ سَلْبَهُ ، فَكَانَتْ يَمِينًا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْيَمِينَ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ لِعَدَمِ عُرْفِ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ فِيهِ ."

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ أَوْ وَعَظَمَتِهِ أَوْ وَجَلَالِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ ، فَذَلِكَ كُلُّ يَمِينٍ نَوَى بِهَا يَمِينًا ، أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ يَمِينًا ، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ: لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ: وَحَقُّ اللَّهِ وَاجِبٌ وَقُدْرَةُ اللَّهِ مَاضِيَةٌ ، لَا أَنَّهُ يَمِينٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت