فَخَرَّجُوا هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا ، فِي إِبْطَالِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُكْفَلْ بِمَالٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَا بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، يَجِبُ غُرْمُ قِيمَتِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: لَمْ يُرِدْ بِالضَّعْفِ إِبْطَالَهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ضَعْفَهَا فِي قِيَاسِ الْأُصُولِ ، وَإِنْ صَحَّتْ بِالْآثَارِ وَالْعَمَلِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى التَّخْرِيجِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْنَعُ لِإِدْرَائِهَا بِالشُّبُهَاتِ . وَإِنْ أُجِيزَتْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الظَّاهِرِ الْمَشْهُودِ ، مِنَ الْمَذْهَبِ فَفِي جَوَازِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلَانِ: أَحَدُهَا: لَا تَجُوزُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَجُوزُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَدَرُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
فَصْلٌ: فَإِذَا تَوَجَّهَتْ دَعْوَى الْكَفَالَةُ عَلَى رَجُلٍ ، خُوصِمَ فِيهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ كَانَ يَرَى إِبْطَالَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى فِيهَا ، وَلَمْ تَجِبِ الْيَمِينُ فِي إِنْكَارِهَا ، وَإِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَهَا سَمِعَ الدَّعْوَى فِيهَا وَأَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى مُنْكِرِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمِينَ عَلَى مُنْكِرِهَا ، وَإِنْ صَحَّتْ ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِسْقَاطِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكَرِ ، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا يَطُولُ شَرْحُهَا ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي نَظَائِرِهَا . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَكْرَاهُ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ ، وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ الدَّارَ كُلَّهَا ذَلِكَ الشَّهْرَ بِعَشَرَةٍ ، فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ ، فَإِنْ كَانَ سَكَنَ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُتَكَارِيَيْنِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَيَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا تَارَةً فِي الْأُجْرَةِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الثَّمَنِ ، وَيَخْتَلِفَانِ تَارَةً فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الْمَكْرِيِّ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ ، فَيُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ ، وَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَ عَدَمِهَا ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، فَتَسَاوَيَا فِي التَّحَالُفِ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُتَكَارِيَانِ فَيَقُولُ الْمُكْرِي أَكْرَيْتُكَ بَيْتًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرَ رَمَضَانَ بِعَشَرَةٍ .