قَدْرَ دَيْنِهِ سِرًّا ، بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، لَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، وَإِنْ قَدَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِهِ بِالْمُحَاكَمَةِ ، وَعَجَزَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ ، وَذَلِكَ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِمَطْلِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ ، أَوِ الْإِنْكَارِ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ سِرًّا مِنْ جِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، لِأَنَّ إِحْوَاجَهُ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ عُدْوَانٌ مِنَ الْغَرِيمِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ ، إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ سِرًّا بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُدْوَانِ الْغَرِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ ، أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِالْمُحَاكَمَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ الْهَمُّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ ، إِلَّا بِالْحَاكِمِ فَهَذَا شَرْحُ مَذْهَبِنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْ غَرِيمِهِ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ فَوَجَدَ دَنَانِيرَ ، أَوْ دَنَانِيرَ فَوَجَدَ دَرَاهِمَ ، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فِي الْأَمْتِعَةِ وَالْعُرُوضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي يَدِ الْغَرِيمِ مِنْ رُهُونٍ ، وَوَدَائِعَ . وَلِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّهُ [ إِمَّا أَنْ ] يَمْلِكَهُ أَوْ يَبِيعَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ ، لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُ عَلَى بَيْعِهِ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي أَخْذِهِ . وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدٌ وَمَقَالٌ". فَكَانَتِ الْيَدُ عَلَى الْعُمُومِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي ، وَوَلَدِي ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرًّا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".