فهرس الكتاب

الصفحة 8112 من 8432

وَلِأَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُ جِنْسِهَا فِي مَالِهِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَمِنْ جِنْسِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ تَعَذُّرِ الْجِنْسِ أَنْ يُأْخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ قِيَاسًا عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ ، جَازَ أَنْ يَتَوَصَّلَ مُسْتَحِقُّهُ إِلَى أَخْذِهِ ، إِذَا امْتَنَعَ بِحَسَبِ الْمُمْكِنِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحَاكَمَةِ . فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَاكِمُ يُجْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا يَبِيعُ عَلَيْهِ . قِيلَ: عِنْدَنَا يَبِيعُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ عُرُوضًا ، أَوْ عَقَارًا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْعَقَارِ فِي الدُّيُونِ ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَبِيعٌ عَلَيْهِ ، فِي الْحَالَيْنِ جَبْرًا ، لِأَنَّ جَمِيعَ الدُّيُونِ تُقْضَى مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ كَدَيْنِ الْمَيِّتِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ:"لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَهُوَ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنْ لَا يَدْفَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِ ، وَهُوَ مَظْلُومٌ ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، وَهُوَ ظَالِمٌ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ:"أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَةَ هِيَ الْوَدِيعَةُ تُؤَدَّى إِلَى مَالِكِهَا ، وَلَيْسَ مَالُ الْغَرِيمِ وَدِيعَةً ، يَكُونُ أَمَانَةً ، وَقَوْلِهِ"وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"فَلَيْسَ مُسْتَوْفِي حَقِّهِ خَائِنًا ، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ الْخِطَابُ . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى الْخَبَرِ ؟ قِيلَ: يُحْمَلُ مَعْنَاهُ مَعَ ضَعْفِهِ ، عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْأَعْرَاضِ إِذَا هُتِكَتْ ، وَالْحُقُوقِ إِذَا بَطَلَتْ ، وَإِمَّا عَلَى الْوَدَائِعِ إِذَا جُحِدَتْ ثُمَّ أُدِّيَتْ . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ رُهُونٍ وَوَدَائِعَ ، فَتِلْكَ لَا يَمْلِكُهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤْخَذَ فِي دَيْنِهِ ، وَهَذَا مَالُهُ فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ دَيْنِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّقْسِيمِ فِي أَخْذِهِ مِلْكًا ، أَوْ مَبِيعًا فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ يُؤْخَذُ فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَنِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّنَانِيرِ عَنِ الدَّرَاهِمِ ، وَلَا يُمْنَعُ جَوَازُهُ ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ لَنَا فِي الْبَيْعِ مَا سَنَذْكُرُهُ ."

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ . قِيلَ لَهُ: إِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّكَ ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِكَ ، وَكُنْتَ فِي أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مُتَعَدِّيًا ، فَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَرَاهِمَ ، وَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَنَانِيرَ ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَنَانِيرَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ بُرًّا ، أَوْ شَعِيرًا أَخَذْتَ جِنْسَ حَقِّكَ مِنَ الْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت