فهرس الكتاب

الصفحة 1111 من 2668

غَلَطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الشهداء سبعون وإنَّما يَخُصُّ حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً لَوْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذَا صُلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى! وَبِالِاتِّفَاقِ مِنَّا وَمِنْهُ فَإِنَّ مِنْ صَلَّى مَرَّةً لَا يُصَلِّي هُوَ ثَانِيَةً. وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ؛ وَهُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلاةِ عَلَى غَيْرِ الشُّهَدَاءِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ بِلَا غُسْلٍ. (فَإِنْ قَالُوا) سَبَبُ تَرْكِ الْغُسْلِ بَقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: َ"زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ"فَظَهَرَ سَبَبُ تَرْكِ الْغُسْلِ وَبَقِيَتْ الصَّلَاةُ مَشْرُوعَةً كَمَا كَانَتْ؛ (فَالْجَوَابُ) : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ بَقَاءَ الدَّمِ لَوَجَبَ أَنْ يُغَسَّلَ مِنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ خَنْقًا أَوْ بِمُثَقَّلٍ وَلَمْ يَظْهَرْ دَمٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بَقَاءَ الدَّمِ لَيُمِّمَ. قَالَ: وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ تَرْكَ الْغُسْلِ بِسَبَبٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْغُسْلَ مُتَعَيِّنٌ لِإِزَالَةِ الْأَذَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمِّلُوهُمْ وَادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَا تَهْتَمُّوا بِإِزَالَتِهَا عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ الدِّمَاءُ. قَالَ: وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي يُدْفَنُونَ بِهَا تَبْقَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنْ تُرِكَ الْغُسْلُ لِلدَّمِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ الشَّهَادَةُ تَطْهِيرٌ لِلْمَقْتُولِ عَنْ الذُّنُوبِ فَيُغْنِي عَنْ التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِتَطْهِيرِهِ بِشَفَاعَةِ الْمُصَلِّينَ"اهـ (2) . وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"يُصَلَّى عليه، ولا يُغسَّل". وقال أحمد:"لا يغسل إلاّ إذا كان جُنُبًَا لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَنْظَلَةَ وقد قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ:"فَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ» رواه ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ (3) . وذلك لأنَّه جامع أهله وخرج إلى المعركة فاستشهد فغسَّلته الملائكة؛ ولا يُصَلَّى عليه في أصح الروايتين عند أحمد". قال فِي"الشَّرْحِ المُمْتِعِ":"ولكن ظاهر الأخبار أنَّه لا فرق بين الجنب وغيره، فإنَّ الرَّسُوْلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُغَسِّلْ الذين قتلوا فِي أُحُدٍ. أمَّا ما يذكر من أنَّ حنظلة بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غسلته الملائكة (4) ، فهذا إنْ صَحَّ فليس فيه دليلٌ على أنَّه يُغَسِّلُه البشر؛ لأنَّ تغسيل الملائكة له ليس شيئًا مَحْسُوسًَا بِمَاءٍ يُطَهِّرُ، بل إنْ صَحَّ فهو من باب الكرامة، وليس من باب التَّكليف. فالصَّحِيحُ أنَّهُ لا يُغَسَّل، سواء أكان جنبًا أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ الشَّهَادَةَ تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ - إلا الدَّيْن (5) -، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنبًا لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان مُحْدِثًَا حَدَثًَا أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به"اهـ (6) .

ثانيًا: جَوَازُ الجَمْعِ بَيْنَ عِدَّةَ أَمْوَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ واحِدٍ، وهو مذهب الجمهور.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ".

(1) "الإفصاح"لابن هبيرة الحنبلي.

(2) تعليق الأَلْبَانِيّ: حَسَنٌ."أحكام الجنائز": (74) "، و"الصَّحِيْحَةِ": (326) . وتعليق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح."

(3) "المجموع شرح المهذب":"باب الصَّلاةِ على المَيِّتِ"ج 5 ص 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت