فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 2668

فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ"."

547 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.

معنى الحديث: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَالَ رَجُلٌ"من بَنِي إِسْرائِيلَ"لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ"طيبةٍ نافعة أخرجها من مَالٍ حَلالٍ، وأدفعها لمن يستحقها، وَأَقْسَمَ على ذلك، والتزم بِصَدَقَتِهِ،"فَخَرَجَ بِصَدَقَتِه"يريد أنْ يضعها فِي يد رجل صالح يستحقها،"فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ"، أي فأخطأ عن غير قصد، فوضعها فِي يد رجل سارق، وهو يَظُنُّ أنّهُ رجل صالح وإنسان شريف،"فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ"أي يتكلمون في ذلك، ويتعجبون منه، لأن الصدقة كانت عندهم - فيما يبدو- لا تدفع إلاّ لأهل الخير والصلاح."فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ!"، فحمد الله تعجبًا مما وقع له حيث إنَّه أراد أنْ يَتَصَدَّق على رجل صالح، فوقعت صدقته في يد فاسق وحمد الله لكونه لم يُقَدِّر عليه ما هو أسوأ من ذلك، لأنَّه ما من بلية إلاّ وهناك أعظم منها."لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا"خطأً ودون قصد"فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ"وهو يَظُنُّها امرأة شريفة،"فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ"، فحمد الله أيضًا، وهو الذي لا يُحْمَدُ على مَكْرُوهٍ سواه."لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ"، يعني فأعطى صدقته خطأً لرجل غني، والغني لا تحل له الصدقة، ولكنَّه لم يجزع، وإِنَّمَا قَالَ:"اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ!"أي فحمد الله على خطئه ثلاث مرات راضيًا بما قدره الله عليه، وابتلاه به.

"فأُتِيَ"بالبناء للمجهول، أي فعامله الله عَزَّ وَجَلَّ بحسب قصده، وكافأه على حُسِنْ نيته، فرأى في منامه، أو هاتفًا يخاطبه،"فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ"، أي فبشره أنَّ الله قد قبل منه صدقاته كلها، فأمّا الصَّدَقَةُ الأولى فلعله أنْ ينتفع بها ذلك اللص، وتسد حاجته وفقره إن كان فقيرًا، وتُغْنِيهِ عن السَّرِقَةِ، وكذلك الصَّدَقَةُ الثَّانية كما قال"وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا"، أي أنْ تستعين بذلك المال على سد حاجتها وفقرها، وتَسْتَغْنِي عن الزِّنا. وأمّا الصَّدَقَةُ الثَّالِثَةِ فقد تجعل من ذلك الغني البخيل رجلًا كَرِيِمًَا كما قال:"وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ".

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّ منْ أَخْطَأ فِي صدقته أو زكاته فأعطاها إلى غني وهو يَظُنُّه فقيرًا صَحَّت صَدَقَتُهُ، وأَجْزَأَتْهُ، وهو مذهب أبِي حنيفة ومَحَمَّدٍ وأبي عبيد، وذهب مالك والشَّافِعِيّ وأبو يوسف والثَّوريُّ إلى أنَّها لا تُجْزِئُه، وعن أحمد روايتان. قال القسطلاني:"واسْتِحْبَابُ إعَادَةِ الصَّدَقَةِ إذا لَمْ تَقَعْ الموقع وهذا في صدقة التطوّع، أما الواجبة، فلا تُجْزِئ على غَنِيٍّ وإنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا خلافًا لأبِي حنيفة ومَحَمَّدٍ حيث قالا تسقط ولا تجب عليه الإعادة"اهـ (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت