معنى الحديث: تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَةُ، أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ (1) النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً"أيْ بَطِيئَةُ الحَرَكَةِ لسِمَنِهَا وضَخَامَةِ جِسْمِهَا كما جاء ذلك فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى للبخاري عن عَائِشَةَ حيث قالت فيها:"وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً"بفتح الثاء وسكون الباء؛ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ تَنْزِلَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ آخر الليل قبل حطمة النَّاسِ؛ أيْ قبل شِدَّةِ الزَّحَامِ، لأنَّ الزَّحَامَ يَشْتَدُّ بعد الفَجْرِ، فَأَرَادَتْ أنْ تَخْلُصَ مِنْ شِدَّةِ الزَّحَامِ بِالنُزُوُلِ قبل الفَجْرِ، لأنَّهَا لا تقدر على مُزَاحَمَةِ النَّاسِ لَهَا،"فَأَذِنَ لَهَا"بِالنُزُولِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَنَزَلَتْ قبل الفَجْرِ،"وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِه"، أَيْ نَزَلْنَا عند الإِسْفَارِ."فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ"أي فلما رأيت شِدَّةَ الزَّحَامِ تَمَنَّيْتُ لو كُنْتُ فَعَلْتُ كما فَعَلَتْ سَوْدَةُ، ولو أنَّي اسْتَأْذَنْتُ مثلها لَسُرِرتُ كَثِيرًَا بِالتَّخَلُّصِ من ذلك التَّعَبِ الذي عانَيْنَاهُ من شِدَّةِ الزَّحَامِ. (مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ) أَي: مِنْ مَا يُفْرَحُ بِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا".
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيِثَيْنِ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّهُ يُرَخَّصُ لأهْلِ الأعْذَارِ من النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ والشُّيُوخِ بِالنُزُولِ من مُزْدَلِفَةَ بعد مُنْتَصَفِ الليل، لِقَوْلِ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذِنَ لِلْظُّعُنِ"، ولأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لسَوْدَةَ بالنُزُولِ آخِرَ اللَّيْلِ قبل الفَجْرِ.
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ الوُقُوفِ بمُزْدَلِفَةَ لقَوْلِ عَائِشَةَ"نزلنا المُزْدَلِفَةَ"، وَمَشْرُوعِيَّةُ المبيت فيها حَتَّى الصَّبَاح لقولها:"وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا"أيْ حَتَّى صَلَّيْنَا الصُّبْحَ فيها. وهذا المبيت وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، عند أَحْمَدَ. أمَّا المَبِيتُ فَهُوَ سُنَّةٌ عند المالكية والشَّافِعِيَّة.
وسيأتي تفصيل ذلك في الباب القادم فراجعه هناك.
ثالثًا: قال الحافظ ابن حجر:"اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيلَ بِالضَعَفَةِ وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ. وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا؛ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ. وَزَادَ إِسْحَاقُ وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ؛ وَرَأَى جَوَازَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاءٌ وَطَاوُس وَالشعْبِيّ وَالشَّافِعِيّ"اهـ (2) . وقال فِي"الحاوي الكبير": (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى ضُحًى فَأَمَّا وَقْتُ رَمْيِهَا فِي الْجَوَازِ، فَمِنْ بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى الْجَمْرَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِنْ رَمَى