فهرس الكتاب

الصفحة 1362 من 2668

أُسَامَةَ، فَقَالَ:"أَبُو أُسَامَةَ أَثْبَتُ مِنْ مائَةٍ مِثْلِ أَبِي عَاصِمٍ، كَانَ أَبُو أُسَامَةَ ضَابِطًا، صَحِيْحَ الكِتَابِ، كَيِّسًا، صَدُوْقًا". وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيْدٍ:"سَأَلْتُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَعَبْدَةَ، قَالَ: مَا مِنْهُمَا إِلاَّ ثِقَةٌ". مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَمائَتَيْنِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسيُّ.

الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.

معنى الحديث: أَنَّ المدينة كانت قبل هجرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْبُوءَةً كَثِيرَةَ الحُمِّياتِ والأمْرَاضِ المُعْدِيَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ إليها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أصحابه المهاجرون انْتَشَرَتْ فِيهِم الحُمَّى فأصَابَتْ أبَا بَكْرٍ وبِلالًا وغَيْرَهُمَا، فَأَحَسُّوا بالغُرْبَةِ واشْتَاقُوا إلى مَكَّةَ، واسْتَوْحَشَتْ نُفُوسُهُمْ من المَرَضِ الذي أَصَابَهُم"فَكَانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أخَذَتْهُ الْحُمَّىْ يَقُولُ:"

كلُّ امرئٍ مُصَبّحٌّ فِي أهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ""

يريد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ المَرَضَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ، وكابد من آلام الحُمَّى وتجرع كئُوس مَرَارَتِهَا حتَّى أصبح فِي حَالَةٍ سَيِّئَةٍ، تتراءى له أشباح المنون بين حين وآخر يقال له عند الصَّبَاحِ:"أَنْعِمْ صَبَاحًَا وهو فِي غَايَةِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ بَلْ هُوَ أَقْرُبُ إِلَيْهِ مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ"والشِّرَاك بكسر الشين أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ.

أمَّا بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فإنَّهُ كَانَ كُلَّمَا أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ حَنَّ إلى مَكَّةَ ورُبُوعِهَا، وَأَخَذَ يَتَرَنَّمُ فِي شِعْرِهِ بِضَوَاحِيهَا وَمَغَانِيهَا، ويَذْكُرُ طِيبَ لَيَالِيهَا"وكان بلال إِذَا أُقْلِعَ (1) عَنْهُ الحُمَّى"أي إذا أفاق من الحُمَّى"يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ"أي صَوْتَهُ ويقول:

أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ؟

وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟

وهكذا يتمنى بِلالٌ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً فِي ضَوَاحِي مَكَّةَ ويطفئ أشواقه الحارة من مياه مجنة (2) وأنْ يُمَتِّعَ نَاظِرَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ إذخر وجليل وغيرها من النباتات الخلوية التي حولها، وأَنْ يُشَاهِدَ"شَامَةُ وَطَفِيلٌ" (3) وغَيْرَهُمَا مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ الشَّامِخَة. فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أصاب أَصْحَابَهُ دَعَا على الذين أَخْرَجُوهُمْ من مَكَّةَ"وقال:"اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ"وغيرهم ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّة أَوْ أَشَدَّ"وذلك لكي يتغلب حُبُّهُمْ لِوَطَنِهِم الثَّانِي على حُبِّهِمْ لِوَطَنِهِم الأوَّلِ، ثم قال:"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحَّحَهُا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ"فدعا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه أنْ يُغَيِّر حال المدينة إلى أحسنِ حالٍ من النَّاحية المعيشية والصِّحية."

أما من النَّاحِيَّةِ المَعِيشِيَّةِ فإنَّهُ دَعَا لَهَا بالبركة فِي مَكَايِّيلِهَا المُخْتَلِفَةِ من مُدٍّ وصَاعٍ وغيرها، فلا يُكالُ بِهَا الطَّعَامُ حتى يَتَضَاعَفُ وينمو ويتكاثر، ويجزئ منه القليل، ويكفي عن الكثير.

وأمَّا من النَّاحِيَّةِ الصِّحِيَّةِ فَقَدُ دَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ أَنْ يُصَحِّحَ لَهُم المَدِينَةَ، وأَنْ ينقل ميكروب الحُمَّى منها إِلَى الجُحْفَةِ، ويقضي على الجراثيم والأوبئة التي كانت فيها، فتَطِيبُ بِهَا الحَيَاةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت