فهرس الكتاب
قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ"أي أكثرها وباءً ثم بينت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سبب وبائها وكثرة وجود الحميات فيها حيث"قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا"بفتح النون وسكون الجيم، قَالَ الرَّاوِي:"تَعْنِي مَاءً آجِنًا"قَالَ العَيْنِيُّ:"الآجِنْ"بالمَدِّ: الماء المتغير الطَّعم واللون اهـ، أيْ وكان وادي بُطْحَانَ فِي جنوب المَدِينَةِ يجري طول العام وعلى مدار السَّنَةِ بالمياه المتغيرة المُتَعَفِّنَةِ التي تَتَرَكَّد فيه كثيرًا، فتتعفن فينشأ عن ذلك البعوض والميكروبات الضَّارة وتتفشى الأمراض، وتكثر الحميات، وينتشر الوباء، كما يَحْدُثُ عَادَةً فِي البلاد التي تكثر فيها المستنقعات دون أنْ تتواجد فيها رعاية صحية كافية للقضاء على تلك الميكروبات التي تنجم عنها.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ كانت قَبْلَ الإِسْلامِ"أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ"فَلَمَّا هاجر إليها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَهَّرَهَا اللهُ من الوَبَاءِ وَصَحَّحَهَا من الأَدْوَاءِ اسْتِجَابَةً لِدَعْوَةِ نَبِيَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانيًا: أنَّ اللهَ بَارَكَ لأَهْلِ المَدِينَةِ فِي ثِمَارِهِم وأَقْوَاتِهِم، ووضع البركة في مكاييلهم بحيث يكفي فيها من الطَّعام ما لا يكفي فِي غيرها اسْتِجَابَةً لدِعْوَةِ نَبِيَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفِي حديث البُخَارِيّ:"كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ".
ثالثًا: أَشَارَ الحَدِيثُ إلى وجوب العناية بالنَّاحِيَّةِ الصِّحِيَّةِ والاهْتِمَامِ بِجَوْدَةِ الهَوَاءِ، ونَقَاءِ المَاءِ والتَّحْذيِرِ من المِيَاهِ الرَّاكِدَةِ المُتَغَيِّرَةِ، لأَنَّ المِيَاهَ المُتَغَيِّرَةَ المُلَوَّثَةَ يتولد فيها البعوض والجراثيم التي تؤدي إلى تَفَشِّي الحميات والأمراض المختلفة، كما يَدُلُّ على ذلك قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي سبب انتشار الحميات، بالمدينة قبل الهجرة:"فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا - يعني ماءً آجنًا"تريد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ المَاءَ المُتَعَفِّنِ الذي كان فِي وَادِي بُطْحَانَ هو سَبَبُ انْتِشِارِ الحميات بالمدينة والله أعلم.
ومطابقته للتَّرْجَمَة: من حَيْثُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَهِمَ مِنَ الَّذين قَدِمُوا الْمَدِينَةَ القلق بِسَبَبِ نُزُولِهِم فِيهَا وَهِيَ وَبِيئَةٌ، دَعَا الله تَعَالَى أَنْ يُحَبِّبَهُمْ الْمَدِينَةَ كَحُبِّهِمْ مَكَّةَ، وَأَن يُبَارك فِي صاعهم وَفِي مُدِّهم، وَأَنْ ينْقل الْحُمَّى مِنْهَا إِلَى الْجحْفَةِ لِئَلَّا تعرى الْمَدِينَة؛ كما أفاده العيني.
(1) بضم الهمزة وكسر اللام والبناء للمجهول.
(2) بفتح الميم وكسرها وتشديد النون موضع على أميال يسيرة من مَكَّة، كما أفاده القَسْطَلانِيّ.
(3) بفتح الطاء وكسر الفاء جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مَكَّة، كما أفاده القَسْطَلانِيّ. قال في"الاستذكار":"وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ: فَهُمَا نَبْتَانِ مِنَ الَكَلَأِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادَا يُوجَدَانِ بِغَيْرِهَا. وَشَامَةُ وَطَفِيلٌ: جَبَلَانِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَكَّةَ نحو ثلاثينَ ميلًا. وقال بن عيينة وبن إِسْحَاقَ: فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ بَيْتَيْ بِلَالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً"