721 -عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
721 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يداوم على الاعتكاف في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ كل عام طيلة حياته، فلما مات"اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ"أي واظبَ أَزْوَاجُهُ على هذه السُنَّةِ بعد وفاته اقتداءً به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مشروعية الاعتكاف وعلى أنَّه سُنَّةٌ مُؤكَدَةٌ فِي رَمَضَانَ، قال ابن عبد السلام:"ومقتضى الأحاديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داوم على فعله، فيكون سُنَّة". وقالت المالكية:"حُكْمه الاسْتِحْبَاب مُطْلَقًَا، وفِي رَمَضَانَ آكد، وفِي العشر الأواخر آكد". والذي عليه الجمهور:"أنَّه سُنَّةٌ مُؤكَدَةٌ فِي رَمَضَانَ وفِي العشر الأواخر آكَدُ".
ثانيًا: مشروعية الاعتكاف للمرأة، ولا خلاف فِي ذلك عند أهل العلم، قال فِي"حلية العلماء": (وَحُكِيَ أَن الشَّافِعِي رَحمَه الله قَالَ:"وأكره للْمَرْأَة أَنْ تعتكف فِي مَسْجِد بَيتهَا"، هَذَا قَوْله الْجَدِيد؛ وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد. وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي التَّعْلِيق أَن الشَّافِعِي رَحْمَة الله قَالَ فِي الْقَدِيم:"وأكره للْمَرْأَة أَنْ تعتكف إِلَّا فِي مَسْجِد بَيتهَا". وَقَالَ أَبُو حنيفَة:"اعتكافها فِي مَسْجِد بَيتهَا أفضل من مَسْجِد الْحَيّ وَمَسْجِد بَيتهَا هُوَ الْموضع الَّذِي تتخذه لصلاتها من بَيتهَا") اهـ (1) . وَقَالَ فِي"تبيين الحقائق":"قَوْلُهُ وَلَوْ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ: قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ اعْتَكَفَتْ فِي الْجَامِعِ أَوْ فِي مَسْجِدِ حَيِّهَا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ فِي حَقِّهَا جَازَ؛ وَهُوَ مَكْرُوهٌ ذَكَرَ الْكَرَاهَةَ قَاضِي خَان. ْ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسْجِدٌ إلَخْ) وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا مَسْجِدٌ تَجْعَلُ فِي بَيْتِهَا مَسْجِدًا فَتَعْتَكِفُ فِيهِ"اهـ (2) . وقالت المالكية كما فِي"الْمُدَوَّنَةِ":"قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَتَعْتَكِفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا؟ فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُوضَعُ لِلَّهِ"اهـ (3) .
قال فِي"بداية المجتهد":"وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ: فَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ أَيْضًا لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ: «أَنَّ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ وَزَيْنَبَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَذِنَ لَهُنَّ حِينَ ضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِيهِ» . فَكَانَ هَذَا الْأَثَرُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا: فَهُوَ قِيَاسُ الِاعْتِكَافِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ"