عَنْ حُمَيْدٍ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: خَالَفَ مَالِكًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُشَيْمٌ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فَقَالُوا فِيهِ: قَالَ أَنَسٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ. . . إِلَخْ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّ مَعَ الَّذِي رَفَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ عَلَى مَا عِنْدَ الَّذِي وَقَفَهُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَنْ وَقَفَهُ مَا يَنْفِي رِوَايَةَ مَنْ رَفَعَهُ"اهـ (2) ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَحْرِيمُ بَيْعِ الثَّمَرِ قبل أَنْ يبدو صلاحه والحديث صَرِيحٌ فِي ثِمَارِ النَّخْلِ، حيث نَهَى عن بيعها حتَّى تُزْهِي أي حتى تحمرّ أو تصفرّ، ويتم نضجها، ويظهر صلاحها، وكذلك الحكم فِي بيع العنب والحبوب، لما جاء فِي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ"رواه الخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيّ.
ويُعْرَفُ صَلاحُ البلح بالاحْمِرارِ والاصْفِرَارِ، وصَلاحُ العنب بظهور الماء الحلو اللين والسَّوادِ فِي بعضه والاصفرار فِي البعض الآخر، وصَلاحُ الحُبُوبِ بِبَيَاضِهَا واشْتِدَادِهَا، وصَلاحُ الفَوَاكِهِ بِطِيبِ الأكل، قال التِّرْمِذِيّ:"وَفِي البَاب عَنْ أَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ: كَرِهُوا بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ" (3) وقال الزَّرقانيُّ:"وبه قال الجمهور".
أما حكم هذا البيع من حيث الصِّحَةِ والفَسَادِ فقد قال ابن قدامة:"لَا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:"
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ"اهـ (4) ."
والمراد ببيعِ الثِّمَار قبل بدو صلاحها الذي تجري فيه هذه الأحكام هو بيعها لغير مالك الأصل، أمَّا بيعها مع الأصل فإنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الأحْوَالِ إجْمَاعًَا. فإنْ اشترى ثَمَرَةً قبل بدو صلاحها: بشرط القطع، ثُمَّ أبقاها حتى بدا صلاحها فالبيع صحيح عند أكثر الفُقَهَاء، وهو رواية عن أحمد.
ثانيًا: يقول الزُّهْرِيّ كما رواه عنه البُخَارِيّ:"لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ"أي كان ذلك التَّلف محسوبًا على مالك الثَّمْرَةِ وهو البائع، والظَّاهِرُ أنَّ هذا هو مَذْهَب