البُخَارِيّ. قال ابن قدامة:"مَا تُهْلِكُهُ الْجَائِحَةُ مِنْ الثِّمَارِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ:"هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي؛ لِمَا رُوِيَ، «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي اشْتَرَى ثَمَرَةً مِنْ فُلَانٍ، فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ، فَسَأَلْته أَنْ يَضَعَ عَنْهُ، فَتَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَأَلَّى فُلَانٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا جَوَازُ التَّصَرُّفِ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الضَّمَانُ، كَالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا أَتْلَفَهُ آدَمِي، كَذَلِكَ لَا يَضْمَنُهُ بِإِتْلَافِ غَيْرِهِ". وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، فِي"صَحِيحِهِ"عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، لِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «مَنْ بَاعَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئًا، عَلَى مَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟» ؛ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ"اهـ (6) .
ويتلخص لنا من ذلك أنَّ مَا أتلفته الجائحة فيه ثَلاثَةُ أقوالٍ:
الأَوَّلُ: أنَّه فِي ضمان المُشْتَرِيّ مُطْلَقًَا قليلًا كان أو كثيرًا: وهو مَذْهَبُ أَبِي حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيّ فِي الجديد.
الثَّانِي: أنَّه فِي ضَمَانِ البَائِعِ مُطْلَقًَا، لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها وهو مَذْهَبُ أَحَمَدَ وجماعة من أهل الحديث وأكثر أهل المدينة.
الثَّالِثُ: أنَّهُ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِيّ إذا كان دُونَ الثُّلُثِ، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافِعِيّ فِي القَدِيمِ؛ والله أعلم.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟!".
(1) قال فِي"شرح النووي على مسلم": قال بن الْأَعْرَابِيِّ:"يُقَالُ: زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إِذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ وَأَزْهَى يُزْهَى إِذَا احْمَرَّ أَوِ اصْفَرَّ". وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ:"لَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ أَزْهَى إِنَّمَا يُقَالُ زَهَا؛ وَحَكَاهُمَا أَبُو زَيْدٍ لُغَتَيْنِ". وَقَالَ الْخَلِيلُ:"أَزْهَى النَّخْلُ بَدَا صَلَاحُهُ". وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ:"هَكَذَا يُرْوَى حَتَّى يَزْهُوَ؛ قَالَ: وَالصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى يُزْهَى؛ وَالْإِزْهَاءُ فِي الثَّمَرِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ وَذَلِكَ عَلَامَةُ الصَّلَاحِ فيها؛ ودليل خلاصها من الآفة". قال بن الْأَثِيرِ:"مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يُزْهَى؛ كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يَزْهُو". وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ:"الزَّهْوُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ بِضَمِّهَا وَهُوَ الْبُسْرُ الْمُلَوَّن؛ ُ يُقَالُ: إِذَا ظَهَرَتِ الْحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ فِي النَّخْلِ فَقَدْ ظَهَرَ فِيهِ الزَّهْوُ وَقَدْ زَهَا النَّخْلُ زَهْوًا وَأَزْهَى لُغَةٌ"؛ فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ وَمَنْ نَقَلَ شَيْئًا لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُهُ قَبِلْنَاهُ اذا كان ثِقَةً"اهـ."
(2) "شرح الزَّرقاني على الموطأ":"باب النَّهْي عن بَيْعِ الثِّمَارِ حتى يبدو صلاحها"ج 3 ص 394.
(3) "سنن الترمذي ت شاكر":"بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ"ج 3 ص 521"قال الألباني: صحيح".
(4) "الْمُغْنِي"لابن قدامة:"فصل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط"ج 4 ص 63.