فهرس الكتاب

الصفحة 1521 من 2668

لصَاحِبِ الحَقِّ - سَوَاءٌ كان دَائِنًَا أوْ مُؤَجِّرًَا أوْ أَجِيرًَا - الحَقَّ في المطالبة بحقه شريطة عدم التَّعَدِّي على غيره،"ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ» "أي ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض الصَّحَابَة أَنْ يعطيه بعيرًا من إِبِلِ الصَّدَقَةِ مُسَاوِيًَا لبعيره فِي السِّنِّ."قالُوا: يَا رسولَ الله! لاَ نَجِدُ إلاَّ أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ"أيْ لَمْ نَجِدْ إلاّ بعيرًا أكبر سَنًَّا من بعيره!"فَقَالَ: أَعْطُوهُ"أيْ أَعْطُوهُ بعيرًا أكبر من بعيره، وسَدِّدُوا له الدَّيْنَ بِأَفْضَلِ منه،"فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً"أيْ فإنَّ من أفضلكم فِي معاملة النَّاس، وأكثركم ثوابًا أحسنكم قَضَاءً للحقوق التي عليه دَيْنًا أو غيره.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: جَوَازُ التَّوْكِيلِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وهو أبو رافع أنْ ينوب عنه فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ الذي عليه، بإعْطَاءِ الدَّائِنِ بعيرًا أمثل من بعيره من إبل الصَّدَقَةِ، كما يَدُلُّ عليه حديث الباب. وعن أبِي رافع رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا"- أي بعيرًا صغيرًا -"فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رِبَاعِيًا": وهو البعير الذي دخل فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ من عمره؛ فَقَالَ:"أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً"رواه مُسْلِم. لهذا قال الجمهور:"يَجُوزُ الوَكَالَةُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ اسْتِدْلالًا بِهذه الأحاديث، ولأنَّ الدَّيْنَ من الحقوق المالية التي يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فيها" (1) .

ثانيًا: قَالَ العَيْنِيُّ: (وَفِيه: حُجَّةٌ لمن قَالَ بِجَوَاز قَرْضِ الْحَيَوَان، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ القَاضِي:"أجَازَ جُمْهُور الْعلمَاء اسْتِسْلاف سَائِرِ الْأَشْيَاءِ من الْحَيَوَانِ وَالْعرُوضِ، واسْتَثْنَيْتُ من ذَلِك الْحَيَوَان لِأَنَّهُ قَدْ يَرُدَّهَا بِنَفسِهِ، فَحِينَئِذٍ يكون عَارِيَةَ الْفروج". وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن حبيب وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ:"يَجُوزُ اسْتِقْرَاض الْحَيَوَان كُله إلاَّ الْإِمَاء"، وَعند مَالكٍ:"إِنْ اسْتَقْرَض أَمَةً وَلَمْ يَطَأهَا رَدَّهَا بِعَيْنِهَا وَإِنْ حَمَلَتْ رَدَّهَا بَعْدَ الْوِلادَةِ وَقِيمَة وَلَدهَا إِنْ وُلِدَ حَيًّا، وَمَا نَقَصَتْهَا الْوِلادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَزِمَهُ مِثْلهَا، فَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ مثلهَا فقيمتها"اهـ(2) . وَقَالَ ابْن قُدَامَةَ:"فَأَمَّا بَنُو آدَمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ. فَيَحْتَمِلُ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ، وَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجِ، وَالْمَزْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَصَحَّ قَرْضُهُ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ"اهـ (3) . قال النووي:"جَوَازُ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ؛ إِلَّا الْجَارِيَةَ لِمَنْ يَمْلِكُ وَطْأَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُهَا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا كَمَحَارِمِهَا وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: مذهب المزني وبن جَرِيرٍ وَدَاوُدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ الْجَارِيَةِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَرْضُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمُ النَّسْخَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ"اهـ (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت