فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 2668

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ" (3) . وقال ابن الطلاع فِي"الأحكام":"هو حديث ثابت كان ذلك سنة تسع،"فَأَصَابَهُمْ خَمْسَةُ أَسْبَاعِ حُقُوقِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بِعْهُ لَنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَلُّوا عَنْهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ"أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيّ (4) . قال الصَّنْعَانِيّ:"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمَدِينِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ وَيَبِيعُهُ عَنْهُ لِقَضَاءِ غُرَمَائِهِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، فَإِنَّ هَذَا فِعْلٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَقْوَالٍ تَصْدُرُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجُرُ بِهَا تَصَرُّفَهُ، وَأَلْفَاظٍ يَبِيعُ بِهَا مَالَهُ، وَأَلْفَاظٍ يَقْضِي بِهَا غُرَمَاءَهُ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يُقَالُ إنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ؛ إنَّمَا حِكَايَةُ الْفِعْلِ مِثْلُ حَدِيثِ خَلْعِ نَعْلِهِ فَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ"اهـ (5) ."

واختلفوا هل يَخْتَصُّ الحَجْرِ بالمَدِينِ المُفْلِسِ أمْ أنَّه يَشْمَلُ كُلَّ مَدِينٍ لَمْ يَقْضْ الدَّيْنَ الذي عليه عند حُلُولِ الأَجْلِ ولو كان غَنِيًَّا، فقال الجمهور: يدخل فِي ذلك الغَنِيُّ إذا مَاطَلَ فِي تَسْدِيدِ الدَّيْنِ، فيبيع الحاكم عليه مَالَهُ ليُنْصِفَ مِنْهُ غَرِيمَهُ أو غُرَمَاءَهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ على ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (6) فَإِنَّهُ يَدُلُّ على أنَّهُ يُحْجَرُ عليه، ويباع عنه ماله، لأنَّه داخل تحت مفهوم العقوبة."

وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يُحْجَرُ على المَدِينِ إنْ كان غَنِيًَّا وإِنَّمَا يَجِبُ حبسه حتَّى يقضي دَيْنَهُ قالوا: وليس فِي حَجْرِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مُعَاذٍ أيُّ دَلِيلٍ على أنَّه يُحْجَرُ على الغَنِيِّ إذا لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ الذي عليه، لأَنَّ مُعَاذًَا كان فِي الحَقِيقَةِ مُفْلِسًَا لِمَا فِي رواية أبِي داوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ شَابًّا سَخِيًّا وَكَانَ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ يَدَّانُ حَتَّى أَغْرَقَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي الدَّيْنِ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَالَهُ حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ» (7) "."

أما كيف يقسم مال المُفْلِسِ على الغرماء؟ فقد اتِّفَقَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُفْلِسَ الذي له مال لا يَفِي بديونه يَحْجُرُ الحاكم عليه إذا طلب غرماؤه أو بعضهم ذلك، ويَكُفَّ يده عن التَّصَرُّفِ فيه ويبيع عليه ماله"عند الجمهور"؛ قال فِي "فقه السنة":"ومتى تَمَّ الحَجْرُ عليه فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لا ينفذ فِي أعيانِ مَالِهِ لأن هذا هو مقتضى الحجر، وهو قَوْلُ مَالِكٍ وأَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ. ويقسمه بالحصص على غرمائه الحاضِّرين المُطَالِبِين بِحقوقهم الَّذين حلّت آجالهم فقط، دون الحاضرين الذين لَمْ يطالبوا بِحقوقهم، أو الغائبين الذين لَمْ يوكّلوا أَحَدًَا عنهم، أو الدَّائنين الَّذين لَمْ تحل آجالهم، كما ذَهَبَ إليه أحْمَدُ وأصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ، خِلافًَا لمالك حيث قال: "يحل الدَّين بالحَجْرِ وإنْ لَمْ يَحْضُر أجله"اهـ (8) ."

أمَّا المَيِّتُ المُفْلِسُ: فإنَّهُ يقضي من الموجود من ماله لِكُلِّ حَاضِرٍ أو غَائِبٍ؛ طَلبَ أو لَمْ يَطلبْ، حَلَّ أَجَلُهُ أو لَمْ يَحِلْ، بعد قَضَاءِ حَقِّ الله تَعَالَى من زَكَاةٍ أوْ كفَّارةٍ لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَإِنَّ دَيْنَ اللهِ أَحَقُّ أنْ يُقْضَى". ولا بد أنْ يترك الحاكم للمُفْلِسِ ما يقوم بِمَعِيشَتَهُ من مَسْكَنٍ يؤويه، ومَالٍ يُتْجِرُ فِيهِ، وآلَةِ حَرْثٍ، وأُجْرَةِ خَادِمٍ. وذهب مالك والشَّافِعِيّ إلى أنَّهُ تُبَاعُ دَارُهُ فِي هذه الحالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت