"الثِّقَاتِ". عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ:"قَالَ لِي النَّزَّالُ: إِذَا أَدْخَلَتْنِي فِي قَبْرِي فَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي هَذَا الْقَبْرِ وَفِي دَاخِلِهِ".
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ في الكبرى.
معنى الحديث: أنَّ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سمع رجلًا يقرأ آيَةً من القُرْآن قراءة تختلف عما سمعه من رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان هذا الرَّجُل هو عُمَرُ بْنِ الخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال ابن مسعود:"فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي فأمسكت بيده وذهبت به إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشكوه إليه، فسمع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قراءة كل واحدٍ منهما فَقَالَ: «كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ» أي مصيبٌ في قراءته؛"لاَ تَخْتَلِفُوا"أي لا تتنازعوا وتتخاصموا فِي مثل هذه الأمور، لأنَّها جاءت بِأَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ كلها صحيحة ثابتة عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،"فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا"، يعني فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيْلَ لما اختلفوا كان اختلافهم سببَ هَلاكِهِمْ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: التَّحْذِيرُ عن الخُصُومَةِ فِي الأمور التي لَهَا أَصْلٌ من الكِتَابِ والسُنَّةِ كَالأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو الاختلافات الفقهية، فإنَّ المُسْلِمِينَ قد اختلفوا فِي الأحكام التَّشْرِيعِيَّةِ منذ عهد الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ، وتَغَايَرَتْ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ فيها، ولا ينبغي النِّزاع والخصومة فيها، فإنَّ هؤلاء المجتهدين جميعًا على هُدْىً من الله، ويؤجرون على كل حالٍ، إنْ أصابوا فلهم أَجْران، وإنْ أخطئُوا فلهم أجرٌ واحدٌ.
ثانيًا: أَنَّ اخْتِلافَ أهلُ العِلْمِ من أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين لَهُم بِإحْسَانٍ، وكذلك اختلاف فقهاء الإِسلام، والأئمة الأعلام فِي المسائل الفقهية والأحكام الشَّرْعِيّة لا يدخل ضمن الاختلاف المذموم شرعًا (2) . قال فِي"شرح الطَّحاوية":"وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينًا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَكِنْ إِذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ: فَلَابُدَّ لَهُ فِي تَرْكِهِ مِنْ عُذْرٍ."
وَجِمَاعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ.
وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَرَادَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ.
فَلَهُمُ الْفَضْلُ عَلَيْنَا وَالْمِنَّةُ بِالسَّبْقِ، وَتَبْلِيغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا، وَإِيضَاحِ مَا كَانَ مِنْهُ يَخْفَى عَلَيْنَا، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ"اهـ (3) ."
فهذا الاختلاف الفقهي لا حَرَجَ فيه، قال فِي"شرح الطحاوية":"ثُمَّ إِنَّ أَنْوَاعَ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْأَصْلِ قِسْمَانِ: اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ، وَاخْتِلَافُ تَضَادٍّ:"