الِاخْتِلَافُ الْأَوَّلُ، اخْتِلَافُ التَّنَوُّعِ: الذَّمُّ فِيهِ وَاقِعٌ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَى الْآخَرِ فِيهِ. وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى حَمْدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَحْصُلُ بَغْيٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} . وَقَدْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الْأَشْجَارِ، فَقَطَعَ قَوْمٌ، وَتَرَكَ آخَرُونَ. وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: إِذَا «اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَالِاخْتِلَافُ الثَّانِي (اخْتِلَافُ التَضَادّ) : هُوَ مَا حُمِدَ فِيهِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَذُمَّتِ الْأُخْرَى، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} . وَأَكْثَرُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَئُولُ إِلَى الْأَهْوَاءِ بَيْنَ الْأُمَّةِ - مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. لِأَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَعْتَرِفُ لِلْأُخْرَى بِمَا مَعَهَا مِنَ الْحَقِّ، وَلَا تُنْصِفُهَا، بَلْ تَزِيدُ عَلَى مَا مَعَ نَفْسِهَا مِنَ الْحَقِّ زِيَادَاتٍ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْأُخْرَى كَذَلِكَ"اهـ (4) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ تَخْتَلِفُوا"إلخ.
(1) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الْخُصُومَات، وَهُوَ جمع خُصُومَة، وَهِي اسمٌ، قَالَ الْجَوْهَرِي: خاصَمَهُ مُخاصَمَةً وخِصَامًا، والاسم: الْخُصُومَة، والخصم: مَعْرُوف يَسْتَوِي فِيهِ الْجمع والمؤنث لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر، وَمن الْعَرَب من يثنيه ويجمعه، فَيَقُول: خصمان وخصوم. والخَصِيمُ أَيْضا: الْخصم، وَالْجمع: خصمًا. والخِصْمُ، بِكَسْر الصَّاد: شَدِيد الْخُصُومَة. وَوَقع للأكثرين مَا يذكر فِي الْأَشْخَاص وَالْخُصُومَة بَين الْمُسلم وَالْيَهُود، قَالَ ابْن التِّين: يُقَال: شَخَصَ، بِفَتْح الْخَاء من بلد إِلَى بلد، أَي: ذَهَبَ، والمصدر شُخُوصًا، وأَشْخَصَهُ غَير. وشخص التَّاجِر خرج من منزله، وشَخِصَ بِكَسْر الْخَاء: رَجَعَ ذكره ابْن سَيّده"اهـ."
(2) وإِنَّمَا هو اختلاف محمود يدخل فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كِلاكُمَا مُحْسِنٌ".
(3) "شرح الطحاوية ت الأرناؤوط":"باب لا يفضل أحد من الأولياء على أحد"ج 2 ص 741.
(4) المصدر السابق: [الِاخْتِلَافُ نَوْعَانِ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ وَاخْتِلَافُ تَضَادٍّ] ج 2 ص 779 - 782.