فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 2668

رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي سببه أنَّ المُسْلِمِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ وعَهْدَ رَسُولِهِ الذي يتعلق بحقوق أهْلِ الذِّمَّةِ، ويُعَامِلُونَهُم بالظُّلْمِ والعُدْوانَ، فيعاقبهم اللهُ فِي الدُّنْيَا قبل الآخرة"فَيَشُدُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ"أي فيقوّي الله قلوب أهل الذِّمَّةِ على المُسْلِمين، ويمنعون عنهم الأموال. قَالَ العَيْنِيُّ:"قَوْله: (تُنْتَهَكُ) ، بِضَم أَوله من الانتهاك، وانتهاك الْحُرْمَة تنَاولهَا بِمَا لَا يحل من الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ. وَقَوْله: (فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ) ، أَي: من الْجِزْيَة، وَقَالَ الْحميدِي: أخرج مُسْلِم معنى هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، رَفعه:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ"، وسَاق الحَدِيث بِلَفْظ الْمَاضِي وَالْمرَاد مَا يسْتَقْبل مُبَالغَةً فِي الْإِشَارَة إِلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وروى مُسْلِم أَيْضًَا عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعًا:"يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لاَ يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ". وَفِيه: عَلَمٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ"اهـ (1) ."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أَنَّ لأهلِ الذِّمَّةِ حُقُوقًَا يَجِبُ على إِمَامِ المُسْلِمِينَ رعايتها والمحافظة عليها وأَنَّ لَهُمْ عَهْدًَا وذِمَّةً يَجِبُ الوَفَاء بِهَا، وهو ما يُسَمَّى عند الفُقَهَاء"عَقْدُ الذِّمَّةِ"ومعناه أَنْ يُقِرَّ الحَاكِمُ أو نائبه بعض أهل الكتاب أو غيرهم على كُفْرِهِم بِشَرْطَيْنِ:

الشَّرْطُ الأوَّل: أنْ يَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ الإِسْلامِ فِي الجملة.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يدفعوا الْجِزْيَةَ، ويَسْرِي هذا العقد على الشَّخْصِ الذي عقده مَا دَامَ حَيًَّا، وعلى ذُرِّيَتِهِ من بعده، مَا لَمْ يوجد ما ينقضه.

ويترتب عليه تَحْرِيمُ قِتَالِهِم، والمحافظة على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حُرِّيَاتِهِم، والكَفّ عن أذاهم، لما روي عن عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنّهُ قَالَ:"إِنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا" (2) .

أمَّا الأحكام التي يَجِبُ عليهم الالتزام بِهَا فهي أحكام المعاملات المالية، فلا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي هذه المعاملات بِمَا يُخَالِفُ أحكام الإِسْلامِ، كَعَقْدِ الرِّبَا مَثَلًا، كَمَا أنَّهُم تقام عليهم الحُدُودُ، إذا فعلوا ما يُوجِبُ ذلك، وقد رَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا بعد إحْصَانِهِمَا، أمَّا مَا يَتَّصِلُ بالشَّعَائِرِ الدينية من عقائد وعبادات أوْ مَا يتصل بالزَّوَاجِ والطَّلاقِ فلهم الحرية فِي ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت