"فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي"أي إذا أَرَدتُّمْ أَنْ أُسْلِفَكُمْ، فادْفَعُوا لِي رَهْنًَا، وعَرَضَ عليهم أَنْ يَرْهَنُوُهُ نِسَاءَهُم، فاعْتَذَرُوا وقالوا كما فِي رواية ابن سعد:"وأيُّ امْرَأَةٍ تَمَنَّعُ مِنْكَ لِجَمَالِكَ"، ثُمَّ عَرَضَ عليهم أَنْ يَرْهَنُوُهُ أبْنَاءَهُم، فاعْتَذَرُوا بِأَنَّ ذلك يُسيِءُ إلى سُمْعَتِهِم، ويكون سُبَّةً وَعَارًَا عَلَيْهِم، وَعَرَضُوا عليه أَنْ يَرْهَنُوُهُ اللأَمَةَ، وفَسَّرَهَا سُفْيَانُ بأنَّها السِّلاحُ؛ قال: نعم. وأرادوا بذلك أَنْ لا يُنْكِرَ عليهم إذا جَاؤوه بالسِّلاحِ، ولا يَشُكُّ فِيهِم."فَوَاعَدَهُ"مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ"أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ"ولهذا صَحِبَهُ معه"فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟"المتأخرة من اللَّيْلِ. وقال: غير عمرو"قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ"أي صَوْتُ عَدُوٍّ يُرِيدَكَ"قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ"أي وأخي من الرَّضَاعَةِ أَبُو نَائِلَةَ ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ"أي إن الكريم يجيب من دَعَاهَ باللَّيْلِ، ولا يتأخر عنه، ولو كان فِي ذلك الخَطَر على حَيَاتِه.
"جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ"أي فدخل عليه مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وأدخل معه رَجُلَيْنِ والظَّاهِرِ أنّهُمَا أَبُو نَائِلَةَ وعَبَّادُ بِنُ بِشْرٍ"فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا، أَيْ أَطْيَب!"أي ما شَمَمْتُ أَطْيَبَ من هذه الرَّائِحَةِ ولا أَعْطَرَ منها!"قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ"أي أطيبهن عطرًا"فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ"ثُمَّ تَرَكَهُ وشَغَلَهُ بِالحَدِيثِ قَلِيلًا"ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟"أَنْ أَشُمَّكَ مَرَّةً أُخْرَى"قَالَ: نعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونَكُمْ"أي أخذ برأسه، وأَمْسَكَ بِشَعْرِهِ، وتَمَكَّنَ مِنْهُ، فقال: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللهِ، فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِم حتَّى قَتَلُوهُ. قال: وقد صَاحَ عَدُوُّ اللهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إلاّ وَقَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ. ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: كَيْفَ تَمَّ قَتْلُ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ النَّبْهَانِي بِتَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ، وحِيْلَةٍ ودَهَاءٍ على يَدِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ورفاقه، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقيل: فِي ربيع الأول؛ وَالْأول أشهر. وقد اسْتَنْكَرَ بَعْضُ المْسْتَشْرِقِينَ اغْتِيَال كَعْبٍ بِأَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكنَّه اسْتَحَقَّ ذلك، لأنَّهُ خَانَ وغَدَرَ، ونقض العهد، ودفعه الغرور بِثَرْوَتِهِ وجَاهِهِ وقُدْرَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ إلى هَجْوِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأفَظْعِ الهِجَاءِ، بعد أنْ عَاهَدَهُ مع أَخْوَالِهِ من اليهود؛ فنقض العهد ونشط يَهْجُو رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَشْعَارِهِ، ورحل إلى مَكَّةَ يبث الدَّعْوَةَ للقِتَالِ. قال فِي"البداية والنهاية":"وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ كَعْبُ بْنِ الْأَشْرَفِ أَحَدَ بَنِي النَّضِيرِ أَوْ فِيهِمْ قَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجَاءِ، وَرَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ"