فهرس الكتاب
ثانيًا: أنَّ حكم سعد باسْتِئْصَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ كان موافقًا لحكم الله تعالى كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ"وَرُبَّمَا قَالَ:"بِحُكْمِ المَلِكِ"، ولا مجال لمناقشة هذا الحكم، فهو حُكْمُ اللهِ العَادِلِ وقد نفذه فيهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فألقى القبض على رِجَالِهِم وسُجِنوا في دار بنت الحارث النَّجارية الأَنْصَاريّة، وهي فِي موضع الحديقة الرُّومِيَّةِ (5) التي أُنْشِئ في مكانها فندق التَّيْسِير، ثُمَ هُدِمَ وأدخل فِي مشروع الحرم النَّبَوِي، وقال الشَّريف العياشي (6) : الذي أراه أنَّها ما فيه مدرسة آل مظهر، وما يقع فِي شرقيها، حيث كان مربد غنم الأغوات، وهذا الموضع فِي اتساع ما يكفي لأسرى قُرَيْظَةَ، وأقَلُّ مَا عُدَّ هو خَمْسُمَائَة رَجُلٍ، وأكثر ما قيل ثَمَانِمَائَةٍ، ولَمَّا حُبِسَ هؤلاء فِي دار بِنْتِ الحَارِثِ (7) خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سُوْقِ المدينة، وأمر أنْ تُحْفَرَ الخَنَادِقُ، وأُخْرِجُوا أرسالًا - أي أفواجًا -، فضربت أعناقهم، ومنهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، وتَوَلَّى ضَرْبَ أعْنَاقِهِم عَلَيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ، والزُّبَيْرُ بْنِ الْعَوَّامِ، وذلك بِحُضُورِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَاحَتْ نِسَاؤهُم عند قتلهم، وشَقَقَنْ جُيُوبَهُنَّ، ونَشَرْنَ شُعُورَهُنَّ، وضَرَبْنَ خُدُودَهُنَّ، ومُلئِت المدينة نُواحًَا، وجُمِعَتْ مَا فِي حُصُونِهِم، فَخَمَّسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك مع النَّخْل والسَّبْي، ثُمَّ بَعَثَ بِالسَّبَايَا فَبَاعَهَا فِي نَجْدٍ، واشْتَرَى بِثَمَنِهَا خَيْلًا وسِلاحًَا، واصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرٍو، ولما استؤصل بَنُو قُرَيْظَةَ لَمْ تَقُمْ لليَهُودِ بعد ذلك قَائِمَةً، وخَضَعَ المُنَافِقُونَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وطَهُرَتْ المَدِينَةُ من الخَوَنَةِ والغَادِرِينَ. قال ابن هشام:"وَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَقَّاحِيَّةٌ (8) - مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ. فَلَمَّا نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ:"
لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهُ يُخْذَلْ
لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا ... وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ"اهـ (9) "
ثالثًا: اسْتَغَلَّ بَعْضُ المُغْرِضِينَ قِصَّةَ مَقْتَلِ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي إِثَارَةِ الشُّبُهاتِ ضِدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال فِي"فيض الباري":"اتَّفَقَ لِي مَرَّةً أَنَّ أُسْقُفًا مِنَ النَّصَارَى سَأَلَ مُسْلِمًا: أَنَّ نَبِيِّكُم لَوْ كان صَادِقًا، فَلِمَ قَتَلَ سِتَّ مَئَةِ نَفْسٍ من اليَهُودِ؟ وأنَا أَنْظُرُ مَا يُجِيبُ، فَرَأَيْتُ المُسْلِمَ عَاجِزًا عن الجَوَابِ، فَبَادَرْتُ إليه، وَقُلْتُ لَهُ: وهل تُخْبِرُنِي أَنَّهُ كَمْ مَرَّةً عَفَا عَنْهُم مع غَدْرِهِم، فَمَا جَزَاءُ الغَدْرِ فِي شَرِيعَتِكُم؟ فَسَكَتْ؛ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أخْرِجْ البَابَ التَّاسِعَ، أو السَّادِسَ عَشَرَ من يُوحَنَّا، فَجَعَلَ يقرأ حتَّى إذا بَلَغَ على فَارْقِلِيط (10) ، قلتُ له: من هو؟ قال: هو رُوْحُ القُدُسِ. قلتُ له:"